تؤكد البيانات الرسمية أن الدولة المصرية دخلت مرحلة الإفلاس البطيء، بعد أن تحوّلت الموازنة العامة إلى دفتر شيكات مخصص لسداد فوائد الديون والفوائد وحدها. فوفقًا لتقرير وزارة المالية المصرية لشهر ديسمبر 2025، التهمت فوائد الدين العام نحو 96.4% من إجمالي الإيرادات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام المالي الجاري، بارتفاع قياسي بلغ 45.2% عن الفترة نفسها من العام السابق، لتصل إلى 1.06 تريليون جنيه.
وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، أصبحت خدمة الدين أكبر بنود الإنفاق العام، متقدمة على التعليم والصحة والدعم والحماية الاجتماعية مجتمعة. هذا الانحدار المالي غير المسبوق كشف أن الحكومة باتت تعمل فقط لإرضاء الدائنين، فيما يعيش المواطن المصري على فتات موازنة لا يتبقى منها سوى عُشر قيمتها لخدمة الشعب.
موازنة مرهونة للفوائد.. والدولة تعمل لدى الدائنين
الأرقام الرسمية تعكس — بحسب الاقتصادي هاني جاد — “خللًا هيكليًا فادحًا في إدارة المالية العامة”، موضحًا أن توجيه قرابة كل الإيرادات لسداد الفوائد يجعل الحكومة عاجزة عن تحسين الخدمات أو زيادة الإنفاق الاجتماعي. ويضيف: “ما يحدث يعني ببساطة أن الحكومة تعمل لدى الدائنين، وأن المواطن هو الحلقة الأخيرة التي تتحمل الفاتورة عبر الضرائب وارتفاع الأسعار وتقليص الخدمات الأساسية”.
ويوافقه الرأي الخبير المالي د. محمد فؤاد، الذي وصف الوضع بأنه “خطر وجودي على الاقتصاد الوطني”. وأضاف: “حين تلتهم خدمة الدين الإيرادات العامة، لا يبقى شيء لتطوير التعليم أو الصحة أو شبكات الضمان الاجتماعي. الدولة باتت تنفق ما تقترضه على سداد ديون سابقة، ومع كل قرض جديد تتعمق الهوة أكثر، ما يجعل النمو الاقتصادي مجرد رقم للاستهلاك الإعلامي، لأن نتائجه لا تصل إلى الشارع”، وفقًا لـ لـ"العربي الجديد".
تقرير الوزارة نفسه يؤكد أن العجز الكلي ارتفع إلى 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي في غضون خمسة أشهر فقط، مقارنة بـ3.1% قبل عام، رغم ارتفاع الناتج المحلي. أي أن ما تسميه الحكومة “نموًا” هو في الحقيقة نمو في الديون لا في الإنتاج.
الاقتصادية رانيا درويش اعتبرت أن هذه الأرقام “تفضح زيف الخطاب الرسمي”، موضحة أن “القطاع المالي يبتلع ثمار النمو بالكامل، بينما ما يُضاف من الناتج لا يتجه إلى الاستثمار أو تحسين المعيشة، بل إلى جيوب المقرضين المحليين والأجانب”.
انهيار الخدمات وعودة الفقر الهيكلي
تراكم الفوائد المتصاعدة جعل الموازنة العامة تتخلى شيئًا فشيئًا عن دورها الاجتماعي. فالإنفاق على الصحة والتعليم تراجع فعليًا بنحو 30% بالقيمة الحقيقية، بحسب رصد المركز المصري للدراسات الاقتصادية، بينما تقلصت مخصصات الدعم ومواد التموين والطاقة رغم اتساع رقعة الفقر.
الخبيرة د. عالية المهدي وصفت الوضع بـ"الانتحار المالي"، مؤكدة أن “توجيه أكثر من 90% من الموارد لخدمة الدين معناه أن الدولة أصبحت عاجزة عن القيام بوظيفتها الأساسية: رعاية المواطن”. وأضافت: “الأمن المالي لم يعد مستدامًا، فكل زيادة في الإيرادات تُبتلع فورًا في الفوائد والأقساط. نحن نسير نحو نقطة تكون فيها مصر مجبرة على الاقتراض حتى تدفع أجور موظفيها”.
وتحذّر المهدي من أن استمرار الاقتراض لسداد التزامات قائمة يفقد الدولة سيادتها المالية، إذ يصبح قرار الموازنة مرهونًا بموافقة المؤسسات الدائنة وصندوق النقد الدولي، بينما تتسارع وتيرة التضخم نتيجة التوسع في الدين المحلي وطباعة النقود لسد العجز.
الخبير الاقتصادي أيمن عارف يرى أن “الاقتصاد المصري في طريقه لأن يصبح رهينة لديونه”، مشيرًا إلى أن خدمة الدين وحدها قد تتجاوز إجمالي الإيرادات خلال العام المقبل إذا استمر هذا المسار. ويضيف: “النتيجة الحتمية ستكون تقليص الدعم ورفع أسعار الخدمات العامة، لأن الحكومة لا تملك سوى جيوب المواطنين كمصدر تمويل بديل”.
أما د. سالي صلاح، المتخصصة في السياسات الاجتماعية، فترى أن الأزمة تهدد النسيج الاجتماعي ذاته، موضحة أن ارتفاع عبء الدين “انعكس بشكل مباشر على الفقراء؛ إذ تراجعت ميزانيات الحماية الاجتماعية وبرامج الدعم النقدي، مثل تكافل وكرامة، لصالح خدمة الدين”. وتقول: “عندما يصبح الدين مقدسًا أكثر من المواطن، تتحول الدولة إلى وسيط بين الشعب والدائنين. والخطر أن هذا النمط يقضي على الطبقة الوسطى بالكامل ويدفع الأسر إلى دائرة فقر مستدام”.
افلاس مقنّع ونظام اقتصادي بلا أفق
ما تسميه الحكومة “إدارة رشيدة للدين العام” يرى فيه الخبراء غطاءً لتجميل الإفلاس المالي القادم. فبحسب تحليل الخبير المالي هاني جاد، تعتمد وزارة المالية على تدوير الديون قصيرة الأجل عبر قروض محلية جديدة بفوائد فلكية، تتجاوز أحيانًا 28% سنويًا، ما يعني أن الموازنة تستهلك أموالها قبل جبايتها. ويضيف: “تضاعف فوائد الدين يؤكد أننا أصبحنا في حلقة مفرغة، والنجاة منها تتطلب إصلاحًا جذريًا، لا ترقيعًا حسابيًا في التقارير الرسمية”.
الاقتصادية رانيا درويش تصف الموقف بـ"الانفصام الاقتصادي"، فبينما تروج الحكومة لأرقام نمو مرتفعة وزيادة احتياطي النقد الأجنبي، يعيش المواطن تجمّدًا للأجور وغلاءً غير مسبوقًا. “الناتج ينمو على الورق فقط”، تقول درويش، “لأن كل جنيه من الاستثمار يُقابله عشرة جنيهات من الدين، والمحصلة صفر حقيقية في حياة الناس”.
من جانبه، يرى د. محمد فؤاد أن هناك نية مبيتة لاستمرار الاقتراض بغرض إظهار قدرة الدولة على السداد أمام الخارج، وهو ما يراه "خداعًا للوطن قبل أن يكون خداعًا للمجتمع الدولي". ويؤكد: “نموذج مصر الحالي يشبه ما حدث في الأرجنتين ولبنان قبل الانهيار المالي: تضخم في الديون، تراجع في الإنتاج، وتآكل في الثقة. الفرق الوحيد أن الحكومة المصرية ما زالت تملك مساحات إنكار واسعة تسمح بتأجيل الانفجار لا منعه.”
أما د. سالي صلاح فتختتم التحليل بقولها إن “كل جنيه يصرف على الفوائد هو جنيه يُنتزع من حق طفل في التعليم أو مريض في العلاج”. داعيةً إلى مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق، وإيقاف التوسع العشوائي في المشروعات غير التنموية التي تموَّل عبر قروض لا تضيف شيئًا سوى أصفار جديدة إلى رصيد الدين.
يتفق الخبراء جميعًا على أن مصر اليوم تعيش مرحلة الإفلاس المقنّع: تلهث للاقتراض لسداد قروضها السابقة، وتعجز عن تمويل حاجات مواطنيها الأساسية. ومع هيمنة الديون على شرايين الاقتصاد، بات مستقبل الدولة مرهونًا بما يقرره الدائنون، بينما المواطن هو الضحية الدائمة لنظام مالي فقد توازنه، وحكومة اختارت البقاء في المقعد الخلفي من اقتصاد يقوده القرض لا الإنتاج.

