قرار مجلس نقابة الصحفيين بشطب عبدالرحيم علي، مالك جريدة “البوابة نيوز”، بعد واقعة فضّ اعتصام صحفيين بالقوة داخل الجريدة، يمثل لحظة فاصلة في معركة قديمة بين الصحافة كحق عام وبين المال والنفوذ كسلطة فوق المساءلة.
لكن دلالة القرار لا تقف عند حدود نزاع مهني داخل مؤسسة صحفية، بل تمتد إلى سؤال أشمل: لماذا تُترك بيئة العمل الصحفي في مصر لسنوات رهينة العنف والإفلات من العقاب، ثم تُطلب من النقابة وحدها معالجة النتائج؟
ماذا حدث داخل “البوابة نيوز”؟
قرر مجلس نقابة الصحفيين شطب عبدالرحيم علي، مالك جريدة “البوابة نيوز”، وأدان ممارسات إدارة الجريدة ومالكها.
وبحسب ما ورد، استخدمت إدارة الجريدة ومالكها “بودي جارد” لفض اعتصام الصحفيين بالقوة، وهو ما اعتبرته النقابة اعتداءً مباشرًا على حق الصحفيين في الاعتصام السلمي داخل مقر عملهم.
كما حمّل مجلس النقابة مالك الجريدة ورئيسة التحرير المسؤولية الكاملة عن سلامة الصحفيين المعتصمين، في إشارة إلى أن الواقعة ليست “خلافًا إداريًا” بل تهديدًا لأمن العاملين وحياتهم.
قرار النقابة: حماية للمهنة أم محاولة لردع “السلاح الخاص”؟
قرار الشطب، في جوهره، هو رسالة بأن النقابة لن تقبل تحويل المؤسسات الصحفية إلى ساحات يُحسم فيها الخلاف بالقبضة والتهديد بدل القانون ولائحة العمل.
الأهم أن الشطب هنا لا يُقرأ فقط كعقوبة فردية، بل كإدانة لثقافة “الحارس الشخصي” التي تسللت إلى المجال العام: حين يصبح صاحب الجريدة أقوى من الصحفيين مجتمعين، وأقوى من قواعد المهنة، وأقوى من أبسط ضمانات السلامة داخل مكان العمل.
ومع ذلك، يبقى السؤال المؤلم: هل تمتلك النقابة وحدها أدوات الردع الحقيقية إذا ظلّت الدولة تسمح عمليًا بتطبيع العنف داخل المؤسسات، وتُبقي مساحات المساءلة القضائية والإدارية انتقائية وبطيئة؟
حكومة الانقلاب والبيئة الحاضنة للعنف ضد الصحفيين
النقد الحقيقي لحكومة الانقلاب يبدأ من أنها صنعت “بيئة” تشجع الأقوياء على الاعتقاد بأن القانون قابل للتعطيل، وأن النفوذ الإعلامي يمكن أن يتحول إلى حصانة غير مكتوبة.
عندما تتحول وسائل الإعلام إلى أذرع للسلطة بدل كونها سلطة رقابية عليها، يصبح الصحفيون الحلقة الأضعف: يُطلب منهم التطبيل عند الحاجة، ويُتركون وحدهم عند الصدام مع أصحاب المصالح داخل المؤسسات.
كما أن خطاب “الأمن والاستقرار” الذي ترفعه السلطة لتبرير التضييق على المجال العام، ينقلب داخل المؤسسات إلى فوضى مُقنّعة: استقرار للنافذين، وفوضى على أجساد العاملين وحقوقهم.
ما الذي يجب أن يتغير بعد القرار؟
الخطوة النقابية، مهما كانت قوية رمزيًا، يجب ألا تتحول إلى “حدث للاستهلاك” ثم تعود الأمور كما كانت.
- المطلوب شفافية كاملة حول ما جرى، لا باعتباره فضيحة مؤسسة بعينها، بل باعتباره نموذجًا لتدهور شروط العمل الصحفي.
- والمطلوب إطار قانوني وإجرائي يمنع أي مؤسسة إعلامية من الاستعانة بقوة شبه خاصة ضد العاملين، مع محاسبة واضحة وسريعة لا تترك الضحايا رهائن للتسويات.
- والمطلوب قبل ذلك كله: تفكيك علاقة التبعية بين السلطة والإعلام، لأن الصحافة التابعة لا تحمي صحفييها؛ هي فقط تستهلكهم.
وأخيرا فان قرار شطب مالك “البوابة نيوز” يفتح نافذة نادرة لمحاسبة رمز من رموز تغول المال والسلطة داخل المجال الصحفي، لكنه في الوقت نفسه يفضح أصل المشكلة: حكومة الانقلاب التي حوّلت المجال العام إلى مساحة مُسيّجة، ثم تركت المؤسسات من الداخل بلا ضمانات عدالة ولا توازن قوى.
إذا كان اعتصام صحفيين يمكن فضّه بالقوة داخل مؤسسة إعلامية، فالمسألة ليست “خلافًا عماليًا” بل عرض لمرض سياسي: دولة تُدار بمنطق السيطرة، فتنتج مؤسسات تُدار بمنطق القهر.

