تنظر نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس 18 تاجر مواد بناء من محافظة القليوبية، على ذمة قضية تتعلق باتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، بزعم تقديمهم مساعدات لأهالي جزيرة الوراق، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل المرتبطة بملف الجزيرة خلال السنوات الأخيرة، في تصعيد أمني جديد يثير مخاوف واسعة بشأن اتساع دائرة الملاحقات والاتهامات ذات الطابع السياسي.
القضية التي تحمل رقم 10709 لسنة 2025 حصر أمن دولة عليا، لا تستهدف هذه المرة أبناء جزيرة الوراق أنفسهم، بل امتدت إلى مواطنين من خارجها، في تطور وصفته مصادر حقوقية بـ«الخطير»، باعتباره يعكس انتقال سياسة الضغط والحصار من سكان الجزيرة إلى دوائر اجتماعية واقتصادية أوسع، على خلفية الصراع المستمر حول مستقبل الجزيرة وأراضيها.
حملة مداهمات واعتقالات موسعة
خلال يومي 18 و19 ديسمبر الماضي، نفذت قوات الأمن الوطني بمحافظة القليوبية حملة مداهمات متزامنة استهدفت منازل ومخازن عدد من تجار مواد البناء في عدة مناطق قريبة من جزيرة الوراق، شملت: باسوس، الفرنواني، أبو المنجا، بهتيم، أبو الغيط، منطي، والمحادثة.
ووفق شهود عيان، جاءت الحملة على نحو مفاجئ، صاحبتها حالة من الترويع للأهالي، خاصة النساء والأطفال، وسط انتشار أمني كثيف.
وبحسب مصادر محلية، لم تقتصر الحملة على من جرى اعتقالهم، بل دفعت عددًا آخر من التجار إلى مغادرة منازلهم مؤقتًا خوفًا من القبض عليهم، ما تسبب في شلل جزئي لحركة تجارة مواد البناء في تلك المناطق.
«مطاردون منذ 25 يومًا»
أحد التجار الذين لم يتم القبض عليهم، ولا يزال متخفيًا، روى معاناته قائلًا: “بقالنا 25 يوم سايبين بيوتنا، أنا وأولادي مطاردين، لا عارف أشتغل ولا أشوف بيتي ولا حتى أشوف أولاد أولادي الصغيرين… خايفين من التصفية. إحنا عملنا إيه؟ ذنبنا إيه؟”
شهادة تعكس، بحسب حقوقيين، حجم الخوف والاضطراب الاجتماعي الذي خلّفته الحملة، ليس فقط على المتهمين، بل على أسرهم والعاملين معهم.
تحقيقات تتمحور حول جزيرة الوراق
بعد القبض عليهم، جرى اقتياد التجار إلى مقر الأمن الوطني المعروف بـ«الفيلا» في شبرا الخيمة، حيث خضعوا لتحقيقات مكثفة وضغوط نفسية، تمحورت – وفق المصادر – حول جزيرة الوراق، وليس حول مخالفات قانونية أو مالية تتعلق بطبيعة عملهم كتجار.
وتؤكد مصادر مطلعة أن الاتهام الأساسي غير المعلن في جلسات الاستجواب، يتمثل في الاشتباه بقيامهم بتوفير مواد بناء لأهالي الجزيرة، بهدف ترميم منازلهم المتضررة من البرد والأمطار، وهو ما اعتبرته أسر المحتجزين «عملًا إنسانيًا وتجاريًا مشروعًا» لا يرقى بأي حال إلى مستوى الاتهامات الموجهة.
أسماء المحتجزين وجلسات التجديد
يبلغ عدد المتهمين حتى الآن 18 تاجرًا، جميعهم محبوسون احتياطيًا بسجن العاشر من رمضان – تأهيل 6.
- محمد كمال محمد مرسال
- محمد فوزي عباس نجدي
- حمدي تمام محمد طايع
- ياسين محمد محمد
- مغربي عبد الحميد حواش
- عكاشة علي أحمد عبد العال
- أشرف محمد شلبي كاسب
- أحمد محمد عزت أحمد
- أيمن سيد لطفي سيد أبو العنين
- أحمد صلاح عفيفي السيد أبو العنين
- سعيد فارس رمضان سيد
- عتريس عبد الخالق عتريس محمد
- محروس كاسب شلبي كاسب
- خالد إمبابي حسن إمبابي
- همام محمد همام محمد
- محمد علي محمد أحمد الروبي
- منير ربيع علي علي البرماوي
- رمضان محمود شافعي عبد العزيز
وتُعقد جلسات التجديد عبر تقنية الفيديو كونفرانس، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة.
تاريخ مهني وسمعة طيبة
تشير المعلومات المتاحة إلى أن جميع المتهمين يتمتعون بتاريخ مهني طويل وسمعة حسنة في مجال تجارة مواد البناء، ويمتلكون مخازن مرخصة وسجلات تجارية قانونية، ويعمل لديهم عشرات العمال.
وبحسب أسرهم، فإن القبض عليهم وتشميع بعض المخازن أدى إلى توقف مصادر رزق عشرات الأسر، في تداعيات اقتصادية واجتماعية تتجاوز نطاق القضية الجنائي.
اتهامات ثقيلة وصدمات عائلية
جرى عرض المتهمين على نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس، على دفعات خلال الفترة من 23 إلى 25 ديسمبر، بعد فترات متفاوتة من الإخفاء القسري، ووجهت إليهم اتهامات ثقيلة، من بينها: الانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمويل جماعة إرهابية، والسعي لقلب نظام الحكم، وهي اتهامات وصفتها أسر المحتجزين بأنها «صادمة وغير متوقعة»، ولا تتناسب مع طبيعة نشاطهم التجاري المعروف.
إدانات حقوقية وتحذيرات من التصعيد
أدانت الشبكة المصرية ما وصفته بـ«الحصار الأمني وترويع المواطنين وتلفيق القضايا وخراب البيوت والمصالح»، مطالبة بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين، ووقف ما اعتبرته إجراءً انتقاميًا مرتبطًا بملف جزيرة الوراق.
وأكدت الشبكة أن التعامل مع أزمة الجزيرة يجب أن يكون في إطار حلول مدنية وقانونية بين الدولة والمواطنين، وليس عبر أدوات أمنية قمعية، محذرة من أن استمرار النهج الأمني «لن يجلب سوى مزيد من الخراب والمشكلات».
كما شددت على دعمها الكامل لحق أهالي جزيرة الوراق في التمسك بأرضهم وأراضي أجدادهم، معتبرة أن امتداد الملاحقات إلى مواطنين من خارج الجزيرة يمثل تصعيدًا خطيرًا ينذر بمزيد من الانتهاكات خلال الفترة المقبلة.
في ظل هذه التطورات، تبقى قضية تجار مواد البناء بالقليوبية علامة جديدة على تعقّد ملف جزيرة الوراق، واتساع تداعياته الأمنية والاجتماعية، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود الاتهام، ومستقبل الحلول المطروحة، وتأثير ذلك على النسيج المجتمعي في المناطق المحيطة بالجزيرة.

