تسللت أفعى كوبرا سامة إلى قلب مدرسة محفوظ شريف الابتدائية بقرية جبلة في مركز سنورس بالفيوم، لتباغت الصغار داخل حجرة دراستهم وتفجر صرخات رعب كادت تتحول لفاجعة دامية لولا تصدي عمال المدرسة لها وقتلها بوسائل بدائية.

​
​
وتجسد هذه الواقعة المروعة ذروة الانهيار الأمني والإنشائي الذي تعيشه المنظومة التعليمية، بعدما تركت الجهات الرسمية أرواح مئات التلاميذ رهن مصادفات النجاة داخل فصول مكشوفة تفتقر لأبسط معايير الحماية والأمان وتغيب عنها الرقابة الحكومية تماما.

​
​
عروش الزواحف وسط غياب أسوار الأمان

​
​
إذ تعيش المدرسة بلا سور خارجي يفصلها عن الزراعات المحيطة، ما حول باحتها لمسار مفتوح للزواحف القاتلة والحيوانات الضالة، وجعل غرف التدريس امتدادا طبيعيا للمخاطر البيئية في ظل غياب تام لأي مصدات خرسانية أو أسيجة حديدية.

​
​
ويشير الخبير في التخطيط العمراني وتطوير البنية الأساسية المهندس طارق عبد الحميد إلى أن غياب الحرم المدرسي المعزول يمثل خللا هندسيا فادحا يعكس تجاهلا متعمدا لمعايير السلامة الإنشائية، تاركا الأطفال عرايا أمام مخاطر الزواحف السامة والاعتداءات الخارجية.

​
​
في حين يقف المبنى المؤجر منذ عام 1971 شاهدا على 55 عاما من التقادم الإنشائي والتآكل، إذ شيده الأهالي بجهودهم الذاتية ليتوقف الزمن عنده دون أن تتدخل الهيئة العامة للأبنية التعليمية بإعادة بناء أو صيانة شاملة.

​
​
علاوة على ذلك، يضم الهيكل المتداعي 6 غرف متهالكة فقط تخدم العملية الإدارية والتعليمية بالكامل، حيث تساقطت أجزاء من طلاء جدرانها وتشققت أرضياتها بفعل الرطوبة والإهمال المزمن، وسط تجاهل تام لمطالب تخصيص بديل ملائم وآمن للمرحلة الابتدائية.

​
​
ومن ثم، يعيش الطلاب والمعلمون تهديدا بيولوجيا مضاعفا داخل المساحات الزراعية الكثيفة، إذ يوفر تراكم الأشجار والغطاء النباتي الملاصق للفصول بيئة خصبة لتكاثر الثعابين السامة التي تجد طريقها السهل عبر النوافذ غير المؤمنة والأبواب المتآكلة.

​
​
بينما وثق الأهالي تكرار تسلل الحشرات والزواحف خلال شهر أكتوبر الجاري تزامنا مع بداية العام الدراسي الجديد، ما يبرهن على أن اقتحام الكوبرا لم يكن استثناء عارضا، بل نتيجة حتمية لانهيار المنظومة الوقائية الوقوف أمام الكوارث الحتمية.

​
​
فصول متهالكة تعكس سياسات التقشف الحكومي

​
​
فضلا عن أن أزمة مدرسة جبلة تعري الواقع المرير الذي تفرضه سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، عبر توجيه المخصصات المالية للعاصمة الإدارية والمشاريع الدعائية، مقابل تجفيف الإنفاق الخدمي عن قرى الريف ومدارس الفقراء المهملة.

​
​
ويؤكد الباحث في الاقتصاد التنموي والسياسات العامة الدكتور مروان الشافعي أن خفض مخصصات تطوير الأبنية التعليمية لمصلحة سداد فوائد الديون أدى لانهيار البنية التحتية بالريف، محولا المدارس لمنشآت غير صالحة للاستخدام الآدمي ومهددة لحياة مئات التلاميذ يوميا.

​
​
بناء على ذلك، ترفض وزارة التربية والتعليم صرف اعتمادات الإحلال والتجديد رغم تسليم الأهالي ملفات أرض مخصصة لبناء صرح جديد، لتبقى المعاملات الرسمية حبيسة أدراج البيروقراطية بينما تدفع الطفولة ثمن التقشف المالي الحكومي القسري.

​
​
كذلك ينعكس هذا الإهمال في غياب أدوات الدفاع والسلامة الأساسية، حيث اضطر عمال اليومية لمواجهة ثعبان الكوبرا القاتل بعصي خشبية مكسورة وحجارة متناثرة في الفناء، مخاطرين بحياتهم دون أي معدات وقائية متخصصة لمكافحة الأخطار الطارئة.

​
​
بالإضافة إلى ذلك، تواصل السلطات المحلية في محافظة الفيوم تجاهل استغاثات أولياء الأمور المتكررة منذ مطلع عام 2026، ممتنعة عن فرض حلول مؤقتة حتى لو كانت مجرد أسلاك شائكة تحول دون زحف الكائنات القاتلة نحو المقاعد الدراسية.

​
​
صدمات نفسية ومطالب أهلية برحيل الإهمال

​
​
على إثر ذلك، أصيب العشرات من التلاميذ بنوبات هلع هستيرية وصدمات عصبية بالغة بعد معاينتهم للكوبرا تتحرك بين الحقائب والكرسي الخشبية، ما دفع العديد من الأسر للامتناع عن إرسال أبنائهم واستمرار الإضراب غير المعلن عن الحضور.

​
​
وتوضح استشارية الصحة النفسية وتعديل السلوك الدكتورة صفاء القاضي أن تعرض الأطفال في سن مبكرة لخطر الموت المباشر يولد اضطرابات ما بعد الصدمة المزمنة، ويعطل قدرتهم على التحصيل الدراسي ويغرس شعورا دائما بانعدام الأمان داخل المؤسسة التعليمية.

​
​
من هذا المنطلق، احتشد أولياء الأمور أمام الإدارة التعليمية بمركز سنورس، للمطالبة بوقف مهزلة تأجير الغرف الآيلة للسقوط، والبدء الفوري في وضع حجر أساس المبنى الجديد وإحاطة الفناء المفتوح بحواجز خرسانية عازلة توقف النزيف النفسي للتلاميذ.

 

في الوقت نفسه، يتهم أهالي جبلة المسؤولين بممارسة سياسة التعتيم والتهوين من شأن الواقعة بدلا من محاسبة المقصرين، محذرين من وقوع مذابح بلدغات مميتة حال استمرار فتح الفصول أمام تمدد الأحراش والأراضي الزراعية دون أي سياج.

​
​
تأسيسا على ذلك، يمثل حصار الكوبرا لأطفال الفيوم جرس إنذار أخير يسقط ورقة التوت عن وعود التطوير الحكومية المزعومة، واضعا سلطات الأمر الواقع أمام مسؤوليتها المباشرة عن كل دقيقة رعب يقضيها صغار الريف في انتظار المجهول.