تتصاعد موجة غضب عارمة داخل الأوساط الأكاديمية والمهنية عقب قرار المجلس الأعلى للجامعات ووزارة الصحة بقصر ممارسة وتدريس تخصص التغذية العلاجية على خريجي كليات القطاع الصحي وحدهم دون غيرهم من التخصصات العلمية الأصيلة.
​
​
ويهدد هذا التوجه الحكومي بإقصاء آلاف المتخصصين من خريجي كليات الزراعة والعلوم والاقتصاد المنزلي، مما يفتح الباب أمام احتكار مهني يضرب عرض الحائط بالمناهج العلمية الدقيقة التي تدرسها تلك الكليات العريقة منذ عقود طويلة.
​
​
إقصاء الكفاءات العلمية لصالح النقابات
​
​
وفي هذا السياق، يمثل استبعاد خريجي أقسام علوم الأغذية والتغذية تجاهلاً فجاً لطبيعة المناهج الدراسية المعمقة التي يتلقاها الطلاب طوال 4 سنوات جامعية متصلة، والتي تركز بشكل مباشر على كيمياء الغذاء وتفاعلاته داخل الجسم.
​
​
وعلاوة على ذلك، يتلقى طلاب كليات الزراعة والاقتصاد المنزلي والعلوم تدريبات مكثفة في التحليل الحيوي وتأثير العناصر الغذائية على الوظائف الحيوية، وهي مسارات علمية دقيقة لا تمنحها الكليات الطبية لطلابها في مرحلة البكالوريوس على الإطلاق.
​
​
ومن جهته، يؤكد الدكتور محمد عبد المجيد، أستاذ علوم الأغذية بكلية الزراعة، أن القرار يفتقر إلى الأسس العلمية السليمة ويهدر طاقات بحثية هائلة تخرجت لتخدم المنظومة الصحية والغذائية في مصر بكفاءة واقتدار.
​
​
ويضيف الدكتور عبد المجيد أن اختزال دور هؤلاء المتخصصين في العمل داخل مصانع الأغذية أو تقديم نصائح عامة لتقليل الوزن يدمر مستقبلهم المهني، ويحرم المستشفيات من خبرات قادرة على فهم التركيب الكيميائي الدقيق لكل وجبة علاجية.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، تبرز ازدواجية المعايير في السماح لخريجي كليات مثل طب الأسنان والتمريض بالالتحاق بدبلومات التغذية العلاجية، رغم ابتعاد مناهجهم الأساسية عن كيمياء الأغذية مقارنة بخريجي أقسام علوم الأطعمة والعلوم البيولوجية.
​
​
ونتيجة لذلك، يتضح أن القرارات الحكومية تخضع لضغوط ومصالح نقابية ضيقة تسعى للسيطرة على سوق العمل الطبي، دون النظر إلى الكفاءة الأكاديمية الفصيلية التي تميزت بها الكليات العلمية والعملية على مدار عشرات السنين.
​
​
ومن ناحية أخرى، يؤدي هذا التهميش المتعمد إلى تفريغ الكليات العلمية من قيمتها الحقيقية، ويدفع آلاف الطلاب للعزوف عن الالتحاق بأقسام التغذية العريقة بعد إغلاق مسارات الترقي المهني والبحث الأكاديمي التطبيقي أمامهم بشكل كامل.
​
​
وفضلاً عن ذلك، فإن المنظومة الصحية العالمية تعتمد على التكامل بين الطبيب المعالج وأخصائي التغذية خريج كليات العلوم والزراعة والاقتصاد المنزلي، بينما تصر الجهات الرسمية المحلية على هدم هذا التكامل لصالح فئات محددة.
​
​
استنزاف مالي وتدمير لمستقبل الدارسين
​
​
وعلى صعيد متصل، فجر القرار أزمة مأساوية لمئات الخريجين الذين انخرطوا بالفعل خلال السنوات الماضية في دراسات عليا ودبلومات مهنية للتغذية العلاجية داخل الجامعات الحكومية والخاصة، استناداً إلى لوائح رسمية سابقة كانت ترحب بقيدهم.
​
​
وبناءً على تلك اللوائح، تكبد الدارسون مبالغ مالية طائلة وصلت في بعض البرامج إلى أكثر من 50 ألف جنيه، أملاً في تطوير مهاراتهم العلمية والحصول على تراخيص مزاولة المهنة لتغيير مسمياتهم الوظيفية بشكل قانوني.
​
​
وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور طارق الغزالي، الخبير القانوني وأستاذ التشريعات الإدارية، أن تطبيق هذا التعميم بأثر رجعي يهدم مبدأ المراكز القانونية المستقرة، ويحول الشهادات الجامعية المعتمدة إلى مجرد أوراق بلا قيمة فعلية.
​
​
ويشدد الدكتور الغزالي على أن امتناع وزارة الصحة عن منح التراخيص لمن بدأوا دراستهم قبل صدور القرار يمثل إخلالاً جسيماً بالثقة المشروعة بين المواطن ومؤسسات الدولة، التي حصلت الرسوم الدراسية ثم أغلقت الأبواب فجأة.
​
​
وبالتزامن مع هذه التطورات، وجد مئات الباحثين أنفسهم أمام دبلومات مع إيقاف التنفيذ، بعدما رفضت الجهات الإدارية اعتماد شهاداتهم أو تسوية أوضاعهم الوظيفية، مما تسبب في ضياع سنوات من الجهد الأكاديمي والإنفاق المالي الباهظ.
​
​
ولهذا السبب، تتصاعد المطالبات بضرورة إيجاد آلية فورية لتقنين أوضاع الدارسين القدامى والحاليين، وعدم سريان هذه القيود الصارمة إلا على الدفعات الجديدة التي ستلتحق بالجامعات بعد تاريخ إعلان اللائحة الجديدة بشكل رسمي.
​
​
ومع ذلك، تواصل الوزارات المعنية تجاهل استغاثات المتضررين الذين استدان الكثير منهم لسداد مصروفات الدراسات العليا، لتتحول طموحاتهم العلمية إلى أعباء مالية ثقيلة في ظل غياب أي تعويضات أو بدائل مهنية عادلة.
​
​
وبالإضافة إلى هذا التعنت، يخلق غياب التنسيق المسبق بين المجلس الأعلى للجامعات ووزارة الصحة حالة من الفوضى المؤسسية، حيث تفتح الجامعات أبوابها لتحصيل الأموال بينما تغلق الوزارة منافذ العمل والتطبيق أمام الخريجين.
​
​
احتكار مقنن وتمييز بالقطاع الصحي

 

ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند إقصاء الكليات غير الطبية فحسب، بل امتدت لتشعل صراعاً داخلياً مكتوماً بين أبناء القطاع الصحي نفسه، بعد الكشف عن قيود إضافية تفرغ القرار من مضمونه بالنسبة لعدة فئات طبية.
​
​
ورغم السماح للصيادلة وأخصائيي التمريض وأطباء الأسنان بدراسة التغذية العلاجية، إلا أن تعليمات وزارة الصحة تقصر حق فتح عيادة أو مركز طبي مستقل للتغذية على الأطباء البشريين وأطباء العلاج الطبيعي دون سواهم.
​
​
ومن جانبه، يؤكد الدكتور هاني سويلم، أستاذ الفارماكولوجي والتغذية الإكلينيكية بكلية الصيدلة، أن حرمان الصيدلي الحاصل على دراسات عليا في التغذية من فتح مركز مستقل يعد تناقضاً صارخاً مع طبيعة دراسته الدوائية والغذائية.
​
​
ويشير الدكتور سويلم إلى أن الصيدلي هو الأقدر علمياً على ضبط التداخلات الدوائية مع الأنظمة الغذائية للمرضى، وأن منعه من الممارسة المستقلة يكرس لاحتكار مهني يخدم فئتين فقط على حساب باقي أعضاء الفريق الطبي.
​
​
وبسبب هذا التضارب، يرى خريجو الصيدلة والتمريض أن القرار يمثل خطوة منقوصة لا تمنحهم الحرية المهنية الكاملة التي تتناسب مع جهدهم الأكاديمي، وتجعلهم مجرد تابعين داخل المراكز الطبية التي يمتلكها الأطباء البشريون.
​
​
وعلى صعيد التحركات النقابية، بدأت نقابتا العلميين والزراعيين في عقد اجتماعات طارئة لبحث السبل القانونية للتصدي لهذا الإقصاء، وسط استعدادات مكثفة لرفع دعاوى قضائية عاجلة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة لوقف تنفيذ القرار.
​
​
وفي المقابل، تتمسك نقابتا الأطباء والعلاج الطبيعي بموقفهما المتشدد، بل وتطالبان بإغلاق المزيد من البرامج الدراسية في الجامعات الإقليمية، لتتحول الساحة الأكاديمية إلى حلبة صراع فئوي يغيب عنه المعيار العلمي ومصلحة المريض.
​
​
وخلاصة القول، فإن استمرار هذه السياسات الإقصائية يهدد بتفكيك المنظومة العلمية في الجامعات المصرية، ويحول التخصصات الطبية والعلمية إلى جزر منعزلة تتصارع على المكاسب المادية، بينما يدفع الخريج والمريض وحدهما ثمن هذا التخبط الإداري.