تكشف التواريخ الرسمية ووثائق الشركة المنفذة لسد النهضة أن المشروع الإثيوبي بدأ قبل وصول الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، بما يهدم رواية روّجها إعلام ما بعد يوليو 2013 لتحميل حكم استمر عامًا واحدًا مسؤولية سد واصلت إثيوبيا بناءه وتشغيله طوال أكثر من 12 عامًا من حكم عبد الفتاح السيسي.

 

ولا تعني هذه الحقيقة أن إدارة مصر للملف بين عامي 2011 و2013 كانت مثالية أو خالية من الأخطاء، كما لا تنفي احتمال تأثير الاضطرابات الداخلية في قدرة القاهرة على التحرك الإقليمي، لكنها تؤكد أن اتهام الإخوان ببدء المشروع أو المشاركة في إقامته يصطدم بالتسلسل الزمني الموثق.

 

وتوضح البيانات أن إثيوبيا قطعت خطواتها التعاقدية والإنشائية الأولى قبل تولي مرسي الرئاسة بنحو عام ونصف، بينما جاءت المحطات الأخطر لاحقًا، وفي مقدمتها توقيع إعلان المبادئ عام 2015، ثم بدء الملء الأحادي في 2020، وتشغيل أولى التوربينات عام 2022، وصولًا إلى الافتتاح الرسمي في 9 سبتمبر 2025.

 

 

المشروع سبق حكم مرسي

 

يعود بدء مشروع سد النهضة تعاقديًا إلى 30 ديسمبر 2010، وفق التقرير السنوي لشركة «ساليني كوستروتوري» الإيطالية المنفذة، التي ذكرت إبرام اتفاق إنشاء المشروع مع شركة الكهرباء الإثيوبية، قبل ثورة 25 يناير 2011 وقبل انتخاب محمد مرسي رئيسًا بنحو 18 شهرًا.

 

وتؤرخ مصادر أخرى إسناد عقد البناء إلى 31 مارس 2011، بينما وضعت إثيوبيا حجر الأساس في 2 أبريل من العام نفسه، في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي، وقبل تولي مرسي الرئاسة في 30 يونيو 2012 بنحو 15 شهرًا.

 

ويكشف هذا التسلسل ضرورة التمييز بين تاريخ الاتفاق التعاقدي في ديسمبر 2010، وتاريخ إسناد العقد أو الإعلان عنه في مارس 2011، وبدء التنفيذ رسميًا في أبريل، لكنها تواريخ تتفق جميعها على أن المشروع لم يبدأ في عهد الإخوان.

 

وجاءت البداية الفعلية للسد خلال إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للبلاد عقب تنحي حسني مبارك، وليس خلال حكم مرسي. ومن ثم، فإن الادعاء بأن الإخوان أنشأوا السد أو شاركوا إثيوبيا في إطلاقه لا يستند إلى دليل زمني أو وثيقة تعاقدية معلنة.

 

كما سبقت الخلافات المتعلقة بمياه النيل حكم مرسي بسنوات؛ ففي 14 مايو 2010 وقعت إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، المعروفة باتفاقية عنتيبي، ثم لحقت بها كينيا، وانضمت بوروندي في فبراير 2011.

 

ورفضت مصر والسودان الاتفاقية بصيغتها المطروحة بسبب الخلاف حول الحقوق المائية والإخطار المسبق وآليات اتخاذ القرار. وبذلك، لم يبدأ النزاع المصري الإثيوبي بوصول الإخوان إلى السلطة، بل كان قائمًا قبل الثورة وانتخابات الرئاسة والبرلمان.

 

وخلال حكم مرسي، الذي استمر من 30 يونيو 2012 حتى 3 يوليو 2013، أعلن الموقف المصري رفض أي مساس بحصة البلاد المائية. وفي 10 يونيو 2013 أكد مرسي أن «جميع الخيارات مفتوحة» لحماية الأمن المائي المصري.

 

وأعلن مرسي أن القاهرة لا تعارض المشروعات التنموية في دول حوض النيل بشرط عدم الإضرار بحقوق مصر، فيما وصف رئيس الوزراء هشام قنديل المياه بأنها «قضية حياة أو موت»، وتحرك وزير الخارجية محمد كامل عمرو إلى أديس أبابا لبحث الأزمة.

 

ولا تكفي الاضطرابات التي شهدتها مصر آنذاك لإثبات أن حكم الإخوان تسبب في إقامة السد؛ فإثبات العلاقة السببية يتطلب وثائق أو مراسلات تظهر أن إثيوبيا اتخذت قراراتها بسبب الوضع المصري، وليس مجرد تزامن الاضطراب الداخلي مع استمرار مشروع بدأ بالفعل.

 

 

إعلان المبادئ الحاسم

 

لم تتوقف إثيوبيا عن البناء بعد إطاحة مرسي في يوليو 2013، بل واصلت تنفيذ المشروع طوال السنوات التالية، بينما دخلت القاهرة مفاوضات طويلة لم تنتج اتفاقًا قانونيًا ملزمًا يحدد قواعد ملء الخزان وتشغيله خلال الظروف الطبيعية وسنوات الجفاف.

 

وجاءت المحطة الأبرز في 23 مارس 2015، عندما وقع عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين والرئيس السوداني عمر البشير إعلان مبادئ سد النهضة في العاصمة السودانية الخرطوم.

 

وتضمن الإعلان عشرة مبادئ، بينها التعاون، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف للمياه، وتبادل البيانات، والتعاون بشأن الملء الأول وقواعد التشغيل السنوي، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية.

 

لكن الوثيقة تحولت إلى محور انتقادات واسعة؛ إذ رأى معارضون وخبراء أنها أقرت بالسد القائم ومنحت إثيوبيا غطاءً لمواصلة البناء، من دون إلزام واضح بوقف الأعمال إلى حين إنجاز الدراسات أو توقيع اتفاق تفصيلي ملزم بشأن الملء والتشغيل.

 

ونقلت منصة «مدى مصر» عن شخصيات بينها الوزيرة السابقة فايزة أبو النجا أن توقيع الإعلان جرى رغم اعتراضات داخل مؤسسات الدولة، ما يضع مسؤولية هذه المحطة على السلطة التي اتخذت القرار عام 2015، لا على حكم انتهى قبلها بنحو عامين.

 

وفي يونيو 2018، طلب السيسي من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال زيارته القاهرة، أن يطمئن المصريين إلى أن بلاده لن تلحق بهم الضرر. ورد آبي أحمد بالعربية قائلًا: «والله والله لن نضر بكم».

 

غير أن هذا التعهد الشفهي لم يتحول إلى اتفاق ملزم، واستمرت إثيوبيا في استكمال البناء وملء الخزان بصورة أحادية، بينما ظلت المفاوضات تدور دون حسم، وفشلت القاهرة في انتزاع قواعد قانونية واجبة التنفيذ تحمي تدفقات المياه خلال فترات الجفاف.

 

وبدأت إثيوبيا الملء الأول عام 2020، ثم شرعت في توليد الكهرباء من أولى وحدات السد عام 2022، قبل أن تصل قدرته النهائية إلى نحو 5,150 ميغاواط ويُفتتح رسميًا في 9 سبتمبر 2025.

 

 

الأرقام تحسم الرواية

 

بلغت التكلفة المعلنة للمشروع عند إطلاقه نحو 4.8 مليار دولار، ثم دارت التقديرات اللاحقة حول خمسة مليارات دولار. ويبلغ ارتفاع السد قرابة 170 مترًا، بينما يصل طول جسمه الرئيسي إلى نحو 1,800 متر.

 

وتصل سعة الخزان إلى نحو 74 مليار متر مكعب، مقابل حصة مصر السنوية البالغة 55.5 مليار متر مكعب بموجب اتفاق عام 1959، ما يعني أن سعة الخزان تعادل حسابيًا نحو 133% من حصة مصر السنوية.

 

ولا تعني هذه المقارنة أن إثيوبيا تستولي تلقائيًا على 133% من حصة مصر؛ إذ تختلف السعة التخزينية عن كمية المياه المحتجزة سنويًا، كما يتوقف التأثير الفعلي على معدلات التدفق وقواعد الملء والتشغيل وعدد سنوات الجفاف.

 

ومع ذلك، يكشف ضخامة الخزان خطورة غياب اتفاق ملزم، خصوصًا أن التحكم في تخزين المياه وإطلاقها أصبح واقعًا ماديًا بيد إثيوبيا، بعدما انتقل المشروع من حجر الأساس إلى التشغيل الكامل خلال 14 عامًا.

 

وتحسم الوقائع جوهر القضية: بدأ المشروع عام 2011، وتولى مرسي الحكم عام 2012، وانتهى حكمه عام 2013، ووقع السيسي إعلان المبادئ عام 2015، وبدأ الملء عام 2020، والتشغيل عام 2022، ثم الافتتاح عام 2025.

 

وبذلك لا يظهر دليل مباشر على شراكة الإخوان مع إثيوبيا في إنشاء السد، بينما تثبت الوثائق أن المشروع سبق حكمهم، وأن أكثر مراحله خطورة اكتملت بعد خروجهم من السلطة، تحت إدارة امتلكت أكثر من عقد للتحرك ثم انتهى المسار أمام سد مكتمل وخزان ضخم بلا اتفاق قانوني ملزم.