أصاب جيش الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً داخل مخيمات النازحين شمال غربي قطاع غزة، مواصلاً خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، وسط قصف وإطلاق نار طال مناطق متفرقة.
وكشفت طواقم الدفاع المدني بالتزامن عن انتشال رفات 55 شهيداً من منزل دمره الاحتلال بحي الزيتون، بينما واصلت قواته اقتحام بلدات ومدناً بالضفة الغربية.
خروقات تستهدف النازحين
استقبل مستشفى الشفاء الطفل المصاب بعد استهداف قوات الاحتلال مخيمات للنازحين في منطقة السودانية شمال غربي القطاع، وأكدت المصادر الطبية أن جروحه متوسطة.
ويكشف إطلاق الرصاص تجاه خيام النازحين استمرار استهداف الفلسطينيين حتى داخل المناطق التي لجؤوا إليها بحثاً عن مأوى بعد تدمير منازلهم خلال الحرب.
وتأتي إصابة الطفل ضمن خروقات إسرائيلية يومية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر 2025، وسط غياب إجراءات دولية رادعة.
وشرقي مدينة غزة، ألقت مسيرات إسرائيلية من طراز «كواد كابتر» قنابل متفجرة على منازل الفلسطينيين في شارع مشتهى ومنطقة سوق الشجاعية.
ولم تسجل إصابات جراء القنابل، لكن الهجمات أثارت حالة من الخوف بين السكان، خصوصاً الأطفال والنساء المقيمين في منازل متضررة ومراكز إيواء مكتظة.
وتزامن إلقاء القنابل مع إطلاق نار كثيف من الآليات الإسرائيلية المتمركزة خلف الخط الأصفر باتجاه الأحياء الشرقية لمدينة غزة.
ويحول إطلاق النار المتكرر دون عودة السكان إلى المناطق القريبة، كما يعرقل محاولاتهم للوصول إلى منازلهم أو تفقد ممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية.
وفي جنوبي القطاع، قصفت المدفعية الإسرائيلية مناطق شمال غربي مدينة رفح بعدد من القذائف، دون ورود معلومات مؤكدة عن حجم الخسائر.
كما أطلقت الآليات الإسرائيلية نيرانها بكثافة تجاه المناطق الجنوبية لمدينة خان يونس، في مشهد يؤكد استمرار العمليات العسكرية رغم إعلان وقف إطلاق النار.
وامتدت الاعتداءات إلى البحر، حيث فتحت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيرانها باتجاه ساحل خان يونس، مهددة حياة الصيادين والسكان القريبين من الشاطئ.
وتفرض هذه الهجمات واقعاً ميدانياً هشاً، إذ يعيش الفلسطينيون تحت تهديد الرصاص والقذائف والطائرات المسيرة، بينما يبقى الاتفاق بلا ضمانات حقيقية لحمايتهم.
ومنذ 8 أكتوبر 2023، أسفرت حرب الإبادة الإسرائيلية عن استشهاد 73 ألفاً و470 فلسطينياً وإصابة 174 ألفاً و540 آخرين.
ولا تزال أعداد من الضحايا عالقة تحت الأنقاض أو ملقاة في الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إلى بعض المناطق.
55 شهيداً تحت الأنقاض
أعلن الدفاع المدني في غزة انتشال جثامين ورفات 55 فلسطينياً من أنقاض منزل عائلة ملكة في حي الزيتون جنوبي مدينة غزة.
ودمر جيش الاحتلال المنزل في 19 نوفمبر 2023 فوق رؤوس أكثر من 60 فلسطينياً، كانوا قد لجؤوا إليه هرباً من القصف المتواصل.
واستغرقت عملية البحث والانتشال ثلاثة أيام متواصلة، وسط ظروف بالغة الصعوبة وركام كثيف يهدد سلامة أفراد الدفاع المدني أثناء العمل.
وأكد مشرف المشروع محمد أبو دان أن الطواقم انتشلت رفات معظم الموجودين داخل المنزل، بعدما ظلوا تحت الركام لأكثر من عامين.
ومن المقرر تشييع الرفات في موكب جنائزي موحد مطلع الأسبوع، بعد استكمال الإجراءات اللازمة ومحاولة التعرف إلى هويات الضحايا.
ولا تمثل هذه الجثامين رقماً مجرداً، بل عائلات كاملة طمرها القصف داخل منزل ظن أصحابه أنه قد يوفر حماية مؤقتة للنازحين.
وتندرج العملية ضمن المرحلة الثانية من مشروع «استعادة جثامين الشهداء»، الذي أطلقه الدفاع المدني في 19 يوليو الماضي.
وتستمر هذه المرحلة على مدار 800 ساعة عمل، وتشمل البحث تحت أنقاض 147 منزلاً مدمراً في محافظات غزة والشمال والوسطى.
1072 جثماناً تحت أنقاض المنازل المستهدفة
وتشير تقديرات الدفاع المدني إلى وجود نحو 1072 جثماناً تحت أنقاض المنازل المستهدفة، ما يكشف اتساع حجم المأساة الإنسانية المستمرة.
وخلال المرحلة الأولى، انتشلت الطواقم نحو 333 جثماناً ورفاتاً من أصل 559 مفقوداً تحت أنقاض 54 منزلاً ومبنى.
وانطلقت المرحلة الأولى نهاية نوفمبر 2025، واستمرت لنحو 500 ساعة عمل، رغم النقص الحاد في المعدات والوقود ووسائل الحماية.
ويواجه رجال الإنقاذ مخاطر انهيار الكتل الخرسانية خلال عمليات الحفر اليدوية، إضافة إلى وجود ذخائر غير منفجرة بين أنقاض المباني والأحياء المدمرة.
وطالب الدفاع المدني المؤسسات الدولية بتوفير حفارات وشاحنات حديثة ومتعددة الاستخدامات، بما يسمح بتسريع الوصول إلى الجثامين وإنهاء معاناة عائلات المفقودين.
لكن الاحتلال يواصل منع إدخال الآليات الثقيلة اللازمة، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار نص على السماح بوصول المعدات الضرورية لإزالة الركام.
ويعني تعطيل دخول المعدات إبقاء آلاف الضحايا مدفونين، وحرمان ذويهم من معرفة مصيرهم أو تشييعهم ودفنهم بصورة تحفظ كرامتهم.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي قد أعلن في أكتوبر 2025 أن عدد المفقودين الفلسطينيين منذ بداية الحرب بلغ نحو 9500 شخص.
ويشمل العدد ضحايا ما زالت جثامينهم تحت المباني المدمرة، إلى جانب فلسطينيين لا تتوافر معلومات واضحة عن مصيرهم حتى الآن.
ودمرت الحرب الإسرائيلية نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في القطاع، وحولت أحياء كاملة إلى أكوام هائلة من الخرسانة والحديد.
وقدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، وسط استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة.
اقتحامات تشعل الضفة
بالتزامن مع الاعتداءات في غزة، واصلت قوات الاحتلال اقتحام بلدات ومدن الضفة الغربية، مدعومة بالآليات العسكرية والدوريات المسلحة والحواجز المنتشرة.
واقتحمت القوات بلدتي النزلة الشرقية وقفين شمال طولكرم، وجابت آلياتها الشوارع والأحياء، ونفذت أعمال تفتيش وتمشيط واسعة دون تسجيل اعتقالات.
وأثارت التحركات العسكرية حالة من التوتر بين السكان، خصوصاً مع انتشار الجنود داخل الأحياء السكنية خلال ساعات الفجر وإعاقة حركة المواطنين.
وفي بيت لحم، اعتقلت قوات الاحتلال فلسطينياً أثناء مروره عبر حاجز الكونتينر العسكري شرقي المحافظة، واقتادته إلى جهة غير معلومة.
ويعد حاجز الكونتينر أحد أبرز نقاط التضييق على حركة الفلسطينيين، إذ يفصل جنوب الضفة عن مناطقها الوسطى ويشهد عمليات احتجاز وتفتيش متكررة.
وفي منطقة خلايل اللوز جنوب شرقي بيت لحم، اعتدى مستوطن إسرائيلي على ممتلكات الفلسطينيين، ضمن هجمات متصاعدة تحظى بحماية قوات الاحتلال.
وتستهدف اعتداءات المستوطنين الأراضي الزراعية والمنازل والمركبات، بهدف دفع السكان إلى الرحيل وتوسيع السيطرة الاستيطانية على مزيد من أراضي الضفة.
كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة كفر عقب شمال القدس، وانتشرت في شارع المطار ومنطقة المعهد، وسط تحركات عسكرية أثارت مخاوف الأهالي.
وأطلق الجنود الرصاص الحي وقنابل الصوت عند مدخل مخيم قلنديا خلال مرور القوات، دون الإبلاغ عن وقوع إصابات بين السكان.
وامتدت الاقتحامات إلى مدينة البيرة ومخيم الأمعري، حيث دخلت القوات أحياء سكنية عدة ونفذت جولات عسكرية واستفزازية في الشوارع.
وشملت الاقتحامات أحياء سطح مرحبا وجبل الطويل وأم الشرايط بمدينة البيرة، دون إعلان اعتقالات أو إصابات حتى انتهاء العملية.
وتؤكد اعتداءات السبت أن وقف إطلاق النار لم يوقف سياسة الاستهداف الإسرائيلية، بل أبقى الفلسطينيين بين رصاص غزة واقتحامات الضفة وعنف المستوطنين.
وبين طفل جريح و55 شهيداً انتُشلوا من الركام وبلدات محاصرة بالجنود، تتواصل المأساة تحت صمت دولي يمنح الاحتلال مساحة للإفلات من المحاسبة.

