بقلم دكتور عبد الله سيف
لا تُبنى المجتمعات ولا تستقر أخلاقياتها من خلال نصوص القوانين الصارمة أو السلطة الفوقية وحدها، بل تتشكل عبر منظومة حيوية من شبكات التوعية الأهلية والدعوية التي تتخلل النسيج اليومي للناس. وفي الحالة المصرية، كانت هذه الشبكات الميدانية تمثل صمام أمان وموجهًا سلوكيًا مباشرًا لقطاعات عريضة من المواطنين. غير أن التحول الهيكلي الذي شهده المجال العام عبر تحجيم وتفكيك هذه المؤسسات والجماعات أدى إلى خلق "فراغ قيمي" وخلل عميق في المنظومة الأخلاقية؛ حيث غابت أجهزة الضبط الذاتي التي كانت ترمم التماسك السلوكي والترابط الإنساني داخل المجتمع.
وكانت أجيال الشباب واليافعين هي الضحية الأكبر والأكثر تأثرًا بتوقف شبكات التوعية هذه؛ إذ تمثل هذه الفئة العمرية المرحلة الأشد احتياجًا للانتماء والتوجيه وبناء الهوية. ففي الماضي، كانت مراكز التحفيظ، والأنشطة الشبابية التطوعية، والندوات الثقافية والدينية التي ترعاها الجمعيات الأهلية، تشكل حواضن تربوية تنتشل الشاب من التيه، وتفرغ طاقاته في خدمة مجتمعه، وتغرس فيه مفاهيم السكينة، والأمانة، وإتقان العمل، واحترام الكبير. ومع انقطاع هذه الشبكات وإغلاق منافذها دون توفير بدائل جاذبة، وجد الشباب أنفسهم في العراء الاجتماعي؛ بلا مرجعية موثوقة تستوعب أسئلتهم، أو بيئة آمنة تشحن أرواحهم بالقيم.
هذا التراجع في شبكات التوعية الميدانية دفع بأجيال الناشئة إلى الارتماء في أحضان "الفضاء الرقمي البديل"، ليصبح الذكاء الاصطناعي وخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي هي المربي والموجه الأول لهم. وفي غياب الحصانة الأخلاقية والمجتمعية، سقط قطاع واسع من الشباب في فخ السطحية، والهوس المحموم بـ "الترند"، والجري خلف الشهرة السريعة والمادة بأي ثمن. كما غابت القدوة الميدانية الحية التي كان يمثلها الداعية القريب أو المصلح الاجتماعي في الحي، ليحل محلها "مؤثرو" العالم الافتراضي الذين يكرسون ثقافة الاستهلاك، والفهلوة، وتجاوز الأدبيات العامة.كما ترتب على تفكيك شبكات التوعية انطفاء روح "الرقابة الجمعية والتربية المتبادلة" التي كانت تفرض نوعًا من الحياء العام وتلزم الشباب بالانضباط الميداني. فقد كان التواجد الدعوي والأهلي في القرى والأحياء يحيي قيمة النصح الودود والمسؤولية الأخلاقية المشتركة، مما يحد من مظاهر التحرش، والبلطجة، والانفلات المروري، وتدنّي لغة الحوار اليومي. وبغياب هذا التواجد، تشكلت لدى بعض الشباب حالة من السيولة السلوكية، والاستهانة بالرموز والعقود والمواعيد، وشعور حاد بالعدمية واغتراب الهوية، يُترجم إما في هيئة انسحاب وعزلة أو في صورة اندفاع وعدوانية تجاه المجتمع..
وما زاد الطين بلة هو عجز المؤسسات الرسمية عن ملء هذا الفراغ الهائل لدى الشباب فالخطاب الإعلامي والتوعوي الرسمي ينتهج بالضرورة أسلوبًا فوقيًا تلقينيًا يفتقر إلى المرونة والتواصل الإنساني المباشر، فلم يستطع الوصول إلى عقول وقلوب أجيال تنشأ في عصر السرعة والتكافؤ الرقمي، ولا اكتساب ثقتهم بالشكل الذي كانت تحققه شبكات التوعية الأهلية القائمة على التطوع، والمشارَكة، والتفاعل الإنساني والوجداني المباشر..
إن الاعتماد على الحلول الأمنية والقوانين المجردة فقط لإعادة الانضباط الأخلاقي للشارع المصري أثبت مقدرة محدودة؛ فالأخلاق لا تُفرض بالقرارات، بل تُبنى وتُصان عبر شبكات التوعية الأهلية والدعوية المستقلة والمسؤولة التي تعيش بين الناس وتلامس واقعهم. ولن يتحقق التعافي الأخلاقي والتأسيس لبناء إنساني حقيقي إلا بإعادة الاعتبار للعمل الأهلي والتطوعي، وإفساح المجال للمبادرات المجتمعية لتستعيد دورها في احتواء الشباب وتشكيل وعيهم، باعتبارهم الكتلة الحية والرصيد الأساسي لحاضر المجتمع ومستقبله.

