كشف النائب محمد فؤاد أن احتفاء الحكومة بتحسن المؤشرات يخفي نموذجاً يحمّل المواطنين كلفة الفشل إذ يأتي 80% من الناتج عبر الاستهلاك بينما تلتهم الضرائب دخول الأسر دون إنتاج يولد إيرادات.

 

وحذر من أن استمرار الدولة في المسار يغلق باب سداد الديون لأن الأزمة لا تتعلق بموعد دفع الأقساط وحده وإنما ببنية اقتصادية عاجزة عن زيادة الإنتاج وزيادة موارد الموازنة وحماية المواطنين.

 

 

الجباية بدلاً من الإنتاج

 

وأوضح أن ضريبة القيمة المضافة تمثل 50% من الضرائب بما يجعل زيادة الاستهلاك فرصة للحكومة لجمع الأموال لكنها تتحول لدى المواطن إلى اقتطاع مباشر من دخل يتراجع فعلياً أمام الغلاء.

 

وبالتالي لا يعكس ارتفاع الناتج تحسناً في مستوى المعيشة لأن الجزء الأكبر منه قائم على إنفاق استهلاكي تموله أسر منهكة لا على مصانع أو صادرات مرتفعة أو وظائف منتجة ومستقرة.

 

كما أن ربط نجاح الاقتصاد بأرقام كلية مجردة يسمح للحكومة بتجاهل مؤشرات الأجور الحقيقية والفقر والبطالة وجودة الخدمات وهي الملفات التي تحدد ما إذا كان النمو قد وصل إلى البيوت أم بقي حبيس البيانات.

 

ومن ثم طالب فؤاد بتغيير بصمة الدولة داخل السوق مؤكداً أنها ما زالت لاعباً ولم تنفذ التخارج بالقدر الكافي وهو وضع يزاحم القطاع الخاص ويضعف المنافسة ويشوّه توزيع التمويل والفرص.

 

غير أن المشكلة لا تتوقف عند ملكية الدولة للمشروعات بل تمتد إلى الإنفاق إذ شدد على أن جنيه تنفقه الدولة يجب أن يخلق قيمة ويرفع الإنتاجية وهو ما لا يحدث.

 

ورأى الخبير الاقتصادي عبدالمطلب عبدالنبي أن الاعتماد على الاستدانة والتعويم والجباية يعالج أعراض الأزمة مؤقتاً ولا يبني اقتصاداً قادراً على توليد النقد الأجنبي أو حماية الجنيه من موجات هبوط متكررة.

 

وأضاف عبدالنبي أن اتساع امتيازات الكيانات التابعة للدولة يقوض المساواة داخل السوق لأن الإعفاءات والقدرة غير المتكافئة على الوصول إلى الأراضي والتمويل تمنع القطاع الخاص من المنافسة على أسس طبيعية.

 

علاوة على ذلك فإن زيادة الضرائب غير المباشرة تنقل عبء العجز إلى المستهلكين بصرف النظر عن دخولهم ولذلك يدفع محدودو الدخل نسبة أشد قسوة من مواردهم مقارنة بأصحاب الدخول والثروات الأكبر.

 

 

الديون تبتلع الموازنة

 

وبناء على ذلك يصبح النمو المعتمد على الاستهلاك دائرة مغلقة تبدأ بارتفاع الأسعار ثم زيادة الحصيلة الاسمية وتنتهي بإعلان مؤشرات أفضل بينما تتقلص القوة الشرائية ويضطر المواطن إلى الاستدانة لتغطية احتياجاته.

 

في المقابل تحتاج معالجة الخلل بحسب عبدالنبي إلى توجيه الإنفاق نحو الزراعة والصناعة والتصدير ودعم المشروعات المنتجة بدلاً من مواصلة التوسع في أنشطة لا تضيف تدفقات دولارية تكفي الديون والواردات.

 

ووصف الخبير الاقتصادي ممدوح الولي الديون الخارجية بأنها المعوق الرئيسي أمام الإصلاح بعدما استنزفت خدمة الدين جانباً ضخماً من الإنفاق العام وضيقت قدرة الموازنة على تمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

 

وأكد الولي أن الاقتراض لم يعد أداة مؤقتة لتغطية فجوة عابرة بل تحول إلى مسار دائم تسدد خلاله الدولة التزامات قديمة بقروض جديدة فتزداد الفوائد وتتقلص مساحة القرار الاقتصادي أمام الدائنين.

 

وفضلاً عن ذلك تكشف هيمنة فوائد الديون على المصروفات أن المواطن يدفع الثمن مرتين مرة عبر الضرائب والرسوم ومرة عبر تراجع الخدمات والدعم والاستثمارات العامة التي يمكنها تحسين حياته ورفع دخله.

 

وفي الوقت نفسه لا يكفي بيع الأصول لسداد التزامات عاجلة لأن البيع يوفر حصيلة لمرة واحدة بينما تبقى أسباب العجز قائمة وتفقد الدولة موارد كان يمكن إصلاح إدارتها وتحويلها إلى عوائد منتظمة.

 

لذلك يرى الولي أن الخروج من المصيدة يقتضي وقف الاقتراض غير المنتج وإعادة ترتيب الأولويات ومراجعة المشروعات مرتفعة الكلفة وإخضاع الالتزامات والضمانات الحكومية لرقابة معلنة تمنع تراكم ديون خارج الموازنة.

 

وبالمثل فإن الحديث عن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج يظل ناقصاً إذا لم تتراجع قيمة الفوائد والأقساط فعلياً ولم ترتفع الإيرادات الإنتاجية لأن تضخم الناتج اسمياً قد يحسن النسبة دون تخفيف العبء.

 

 

الرقابة الغائبة تعمق الأزمة

 

وقال خبير الاستثمار والاستراتيجيات مراد علي إن أزمة الاقتصاد ليست ظرفاً مؤقتاً يمكن تجاوزه بمسكنات مالية لأن تراكم الديون يعكس اختيارات ممتدة قامت على الاقتراض والإنفاق دون عائد قادر على السداد.

 

وأشار علي إلى أن إدارة الملفات الاقتصادية بعيداً عن رقابة حقيقية حرمت المجتمع من مناقشة جدوى القروض والمشروعات الكبرى بينما انتقلت تبعات القرارات إلى المواطنين في صورة غلاء وضرائب وخفض متواصل للدعم.

 

كذلك يرى علي أن غياب الشفافية يحجب الكلفة الكاملة للديون والضمانات ويمنع تقييم العائد من المشروعات لذلك تتكرر القرارات نفسها دون محاسبة واضحة عن النتائج أو تحديد المسؤولية عن الخسائر.

 

ومن ناحية أخرى فإن تحميل الأزمات الخارجية كامل المسؤولية يتجاهل هشاشة داخلية صنعتها سنوات من ضعف الإنتاج والاعتماد على الأموال الساخنة والاستيراد وهي عوامل تجعل كل صدمة عالمية تنتقل سريعاً إلى الأسعار.

 

نتيجة لذلك لا يشعر المواطن بأي تحسن تعلنه الحكومة لأن معيار حياته هو قدرته على شراء الغذاء ودفع الفواتير والحصول على العلاج وليس النسب التي تتحسن ورقياً بينما يواصل دخله الحقيقي التآكل.

 

وأخيراً تتقاطع تحذيرات فؤاد وعبدالنبي والولي وعلي عند ضرورة استبدال نموذج الجباية والديون بنموذج إنتاجي يعيد للدولة موارد مستدامة ويفتح المجال للمنافسة ويربط الإنفاق العام بعائد اقتصادي واجتماعي يمكن قياسه.

 

وهكذا يصبح تغيير المسار ضرورة لا شعاراً لأن مواصلة السياسة الحالية تعني ديوناً جديدة وضرائب أثقل وخدمات أضعف بينما يبدأ الحل بخفض مزاحمة الدولة وتوجيه الأموال إلى الإنتاج ومصارحة المجتمع بالحساب الكامل.