أعاد صحفيون وباحثون تسليط الضوء على نتائج المسح القومي للصحة النفسية في مصر، وهو أحد أكبر الدراسات الميدانية التي تناولت واقع الاضطرابات النفسية بين المصريين. ورغم أن الدراسة أُجريت عام 2017 ونُشرت نتائجها عام 2021، فإنها لم تحظَ بالاهتمام الإعلامي أو المجتمعي الذي يتناسب مع أهمية ما كشفته من مؤشرات وأرقام.

 

وشارك في تنفيذ المسح نحو 250 باحثًا تحت إشراف 20 طبيبًا نفسيًا، وشمل ما يقارب 25 ألف أسرة من مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية، في الريف والحضر، ما جعله من أكثر الدراسات شمولًا ودقة في هذا المجال داخل مصر.

 

نتائج الدراسة تكشف حجم التحدي

 

أظهرت نتائج المسح أن نحو 25% من المصريين عانوا من أحد الاضطرابات النفسية خلال الفترة التي سبقت إجراء الدراسة مباشرة، أي ما يعادل شخصًا واحدًا من كل أربعة أفراد.

 

وبيّنت النتائج أن الاكتئاب جاء في مقدمة الاضطرابات النفسية الأكثر انتشارًا، يليه إدمان المواد المخدرة. كما كشفت الدراسة أن نسبة الاضطرابات النفسية الممتدة لمدة عام كامل بلغت النسبة نفسها تقريبًا، وهو ما يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الحالات لا يتعلق بأزمات عابرة أو مؤقتة، بل بحالات مستمرة تحتاج إلى تدخل وعلاج متخصص.

 

وتبدو هذه النسبة مرتفعة مقارنة ببعض التقديرات العالمية التي تشير إلى أن متوسط انتشار الاضطرابات النفسية المستمرة سنويًا يبلغ نحو 14%. إلا أن مقارنة الأرقام بين الدول تظل مسألة معقدة، نظرًا لاختلاف منهجيات الرصد والتشخيص وجودة البيانات المتاحة من دولة إلى أخرى.

 

مقارنة دولية تضع الأرقام في سياقها الصحيح

 

وعند مقارنة نتائج مصر بدول أخرى تمتلك قواعد بيانات أكثر تفصيلًا في مجال الصحة النفسية، يتضح أن انتشار الاضطرابات النفسية ليس ظاهرة استثنائية أو فريدة.

 

فقد أشارت دراسات وطنية في عدد من الدول إلى معدلات متقاربة، حيث سجلت المملكة العربية السعودية معدل انتشار يقارب 20%، بينما بلغ المعدل في الولايات المتحدة نحو 23.5%، ووصل في إنجلترا إلى نحو 22.5%.

 

وبالتالي، فإن الرقم الذي أظهره المسح المصري يستدعي الاهتمام والتعامل الجاد معه، لكنه لا يعني بالضرورة أن مصر تعيش وضعًا استثنائيًا مقارنة ببقية دول العالم، بقدر ما يكشف عن حجم تحدٍّ صحي ومجتمعي يتطلب سياسات أكثر فاعلية.

 

الفجوة العلاجية.. الخطر الأكبر

 

إذا كان انتشار الاضطرابات النفسية يمثل تحديًا مهمًا، فإن ما وصفه متخصصون بالخطر الحقيقي يتمثل في الفجوة الهائلة بين أعداد المصابين وأعداد من يحصلون على العلاج.

 

فوفقًا لنتائج المسح، فإن نسبة من يتلقون علاجًا نفسيًا من بين المصابين لا تتجاوز 0.4% فقط.

 

وبمعنى آخر، فإن أربعة أشخاص فقط من كل ألف مصاب باضطراب نفسي يحصلون على رعاية أو علاج متخصص، وهي نسبة شديدة الانخفاض مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.

 

وتكشف المقارنات الدولية حجم هذه الفجوة، إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف المصابين باضطرابات نفسية في السعودية يتلقون العلاج، بينما تصل النسبة في الولايات المتحدة إلى نحو 17%.

 

وتعكس هذه الأرقام تحديات كبيرة تتعلق بإتاحة خدمات الصحة النفسية، وعدد المؤسسات المتخصصة، ومدى سهولة الوصول إلى العلاج، فضلًا عن استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي.

 

المرض النفسي لا يميز بين غني وفقير

 

ومن النتائج اللافتة التي أظهرها المسح أن معدلات الاضطرابات النفسية في المناطق الريفية جاءت أعلى من نظيرتها في المدن، وهو ما يتعارض مع كثير من التصورات الشائعة التي تربط المرض النفسي بأنماط الحياة الحضرية فقط.

 

كما أوضحت الدراسة أن معدلات الإصابة ترتفع بين الفئات الأقل دخلًا مقارنة بالفئات الأكثر يسرًا، ما يشير إلى وجود علاقة وثيقة بين الظروف الاقتصادية والاجتماعية وبين الصحة النفسية للأفراد.

 

وتؤكد هذه النتائج أن الاضطرابات النفسية ليست مرتبطة بمستوى التدين أو التعليم أو نمط الحياة الحديث، بل هي أمراض قد تصيب مختلف الفئات الاجتماعية، وتتداخل في أسبابها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية واقتصادية متعددة.

 

أين تقف السياسات الصحية من هذه المؤشرات؟

 

ورغم مرور سنوات على صدور نتائج المسح، يرى متابعون أن ملف الصحة النفسية لا يزال بحاجة إلى خطوات أكثر فاعلية، سواء على مستوى التوسع في الخدمات العلاجية، أو زيادة أعداد المستشفيات والعيادات المتخصصة، أو إطلاق حملات توعية مجتمعية واسعة النطاق.

 

فالتوعية بالصحة النفسية لم تعد ترفًا أو قضية هامشية، بل أصبحت ضرورة ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي. كما أن تجاهل المؤشرات العلمية أو التقليل من شأنها لا يسهم في حل المشكلة، بل قد يؤدي إلى تفاقمها.

 

وفي ظل وجود دراسات وأبحاث رصدت حجم التحديات وقدمت توصيات وحلولًا عملية، تبرز الحاجة إلى تحويل هذه النتائج إلى سياسات وبرامج تنفيذية قادرة على تقليص الفجوة العلاجية وتحسين فرص الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، بما يضمن التعامل مع القضية باعتبارها أولوية صحية ومجتمعية تستحق الاهتمام والمتابعة.