عادت دعوات تعديل الدستور إلى الواجهة داخل مجلس الشيوخ المصري، مطالبة بفتح الطريق أمام عبد الفتاح السيسي للبقاء بعد 2030، بما يمنحه ولاية رابعة محتملة ويمدد حكمه إلى 22 عاماً.

 

تكشف عودة الملف أن السلطة لا تنتظر اقتراب نهاية الولاية الحالية، بل تبدأ مبكراً في صناعة مناخ سياسي وإعلامي يطبع فكرة البقاء، بينما يواجه المصريون أزمات معيشية وحقوقية تتسع عاماً بعد آخر.

 

ومع انتهاء انتخابات البرلمان في يناير الماضي، بدأ المستشار عدلي حسين في 17 فبراير التمهيد لتغيير الدستور، قبل أن تتوقف الدعوات مؤقتاً مع اندلاع الحرب ضد إيران بعد 11 يوماً كاملة.

 

وبعد هدوء نسبي في الإقليم، عادت الأصوات المطالبة بالتمديد مع توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم لوقف الحرب 60 يوماً، بما أعاد ملف الرئاسة إلى واجهة النقاش السياسي الداخلي مجدداً.

 

وفي 12 يونيو، دعا عضو مجلس الشيوخ ياسر قورة إلى تعديل الدستور وتمديد بقاء السيسي، مبرراً ذلك بالمخاطر المحيطة بمصر، ومطالباً باستمرار النظام السياسي الحالي 10 سنوات إضافية كاملة أخرى.

 

كما قال قورة إن الدستور ليس قرآناً، في طرح يفتح الباب صراحة أمام فترة رابعة للسيسي، ويعيد إنتاج الحجة المعتادة التي تجعل الاستقرار ذريعة جاهزة لتجاوز القيود الدستورية كلما اقتربت نهاية الحكم.

 

ولزيادة الضغط، دشن مؤيدون للسيسي استطلاعاً عبر مواقع التواصل يسأل عن تأييد منحه فترة رئاسية جديدة، في خطوة تبدو أقرب إلى جس نبض للرأي العام منها إلى نقاش دستوري طبيعي.

 

وبذلك، تتجمع الدعوات البرلمانية والإعلامية والحزبية في اتجاه واحد، بما يجعل الحديث عن الولاية الرابعة أبعد من كونه رأياً فردياً، وأقرب إلى عملية تهيئة سياسية متدرجة لاختبار ردود الفعل الشعبية.

 

غطاء خارجي وتمهيد داخلي

 

وفي التوقيت نفسه، رافقت هذه الدعوات إشادة إعلامية واسعة بمشاركة السيسي في قمة الدول الصناعية السبع ولقائه الرئيس الأمريكي، الذي وصفه بصديق منذ اليوم الأول وأكد استمرار دعمه لمصر علناً.

 

ويرى مراقبون أن هذه الإشادة قد تمنح دوائر الحكم إحساساً بوجود قبول دولي لاستمرار السيسي، خاصة مع أدواره في غزة وإعادة الإعمار ومياه النيل وحماية الحدود البحرية الجنوبية لأوروبا أيضاً.

 

غير أن تحويل العلاقات الدولية إلى مبرر لتمديد الحكم يعني عملياً تقديم رضا الخارج على حق الداخل في التداول، خصوصاً حين تصبح الملفات الإقليمية غطاء لتجاوز القيود الدستورية ودفن أي فرصة للتغيير.

 

وفي هذا السياق، حذر الباحث الإعلامي خالد الأصور من بدء مسلسل جديد لفتح مدد الرئاسة، معتبراً أن أصحاب المصالح يعيدون إنتاج المسار الذي استفاد منه حسني مبارك بعد تعديل السادات للدستور.

 

كما انتقد الناشط جمال والي التلميحات الصادرة عن منتفعين بالأجهزة ومجلسي النواب والشيوخ والإعلام الرسمي، متسائلاً عما يستطيع السيسي تقديمه في 2030 بعد 16 عاماً متواصلة في الحكم فعلياً للبلاد.

 

دستور يتغير كلما اقترب الرحيل

 

وعقب وصول السيسي إلى الحكم عام 2014، جرت انتخابات منحته 96٫91 بالمئة أمام حمدين صباحي، ثم دخل انتخابات 2018 بعد إبعاد منافسين عسكريين وسياسيين كان يمكن أن يربكوا المشهد الانتخابي.

 

وفي 2018، خرج أحمد شفيق من السباق بعد ضغوط، وأوقف سامي عنان وحوكم عسكرياً، كما سجن أحمد قنصوة، قبل أن يفوز السيسي أمام موسى مصطفى موسى بنسبة 97٫08 بالمئة رسمياً.

 

وبعد عام واحد، عدلت السلطة الدستور لزيادة مدة الرئاسة إلى 6 سنوات، ومددت الولاية الثانية حتى 2024، ثم أضافت استثناء سمح للسيسي بولاية ثالثة تنتهي في 2030 رسمياً بالكامل فعلياً.

 

وعليه، يطرح اقتراب نهاية الولاية الثالثة سؤالاً واضحاً عن الأداة القانونية الجديدة التي ستستخدم لتمديد البقاء، سواء بزيادة المدة أو باستثناء جديد أو بأحكام انتقالية مفصلة على مقاس الرئيس مباشرة.

 

وفي تقديره، قال السياسي المعارض محمد حمدي إن الدعوات ليست اجتهادات فردية، بل جزء من تمهيد متدرج ومعتاد لتهيئة الرأي العام نحو تعديل دستوري يسمح باستمرار السيسي بعد 2030 مستقبلاً.

 

ويتوقع حمدي أن يأتي التعديل عبر زيادة مدة الرئاسة أو إضافة استثناء جديد أو نصوص انتقالية، تحت شعارات الظروف الاستثنائية والتحديات الإقليمية والحفاظ على الاستقرار التي تستخدمها الأنظمة السلطوية دائماً.

 

وبحسب تحليله، يبدأ الحديث مبكراً لأن تمرير التعديل يحتاج وقتاً للترويج وصناعة مناخ يوحي بالتأييد، مع اختبار حجم الرفض وإعادة صياغة المشروع بما يحقق الهدف بأقل تكلفة سياسية ممكنة لاحقاً.

 

ومن هنا، لا يعود السؤال هل سيطرح تعديل جديد، بل كيف سيصاغ ومتى يعلن، خاصة في ظل حياة سياسية ضعيفة ومنافسة محدودة ومؤسسات تبدو أقرب إلى تمرير القرار منها إلى مناقشته.

 

فاتورة البقاء يدفعها المصريون

 

وفي المقابل، لا تقدم سنوات الحكم السابقة حصيلة تبرر طلب المزيد، إذ ارتفع الدين الخارجي من 46٫1 مليار دولار عام 2014 إلى أكثر من 165 ملياراً في نهاية 2025 وفق الأرقام الواردة.

 

كما قفز الدين المحلي من نحو 1٫8 تريليون جنيه إلى أكثر من 8 تريليونات، بينما انهارت قيمة العملة من 7٫15 جنيهات للدولار إلى أكثر من 52 جنيهاً رسمياً خلال الفترة نفسها.

 

وعلاوة على ذلك، تقترب نسبة الواقعين تحت خط الفقر أو المعرضين له من 60 بالمئة، بالتزامن مع زيادات متواصلة في أسعار الوقود والكهرباء والمياه والدواء والنقل والاتصالات والخدمات الأساسية يومياً.

 

وفي محاولة لسد العجز وخدمة الديون، قررت الدولة التخارج من 62 قطاعاً وطرحت أصولاً وشركات وأراضي أمام المستثمرين، بينما برزت صفقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار نموذجاً بارزاً لذلك.

 

وفوق الأزمة الاقتصادية، أغلق النظام المجال العام وحبس معارضيه، بينما تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أكثر من 60 ألف معتقل سياسي منذ 2013، في مشهد يختصر كلفة البقاء على المجتمع.

 

وأمام هذه الحصيلة، تبدو الولاية الرابعة محاولة لتمديد الأزمة لا حلها، لأن السلطة التي تطلب سنوات جديدة لم تقدم خلال 16 عاماً ما يبرر استمرارها خارج القيود التي وضعتها بنفسها.