استبعدت الأكاديمية العسكرية في القاهرة 105 مرشحين من أبناء القضاة والمستشارين خلال اختبارات أبريل 2026، من النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية، فتعطلت إجراءات تعيينهم رغم اجتيازهم المسارات القضائية السابقة.
وفي مشهد يكشف عمق الأزمة، لم يعد الخلاف حول أبناء قضاة فحسب، بل حول تحويل القضاء إلى مؤسسة تنتظر ختم الثكنة، بينما تتراجع معايير القانون والكفاءة أمام الوزن والنظر واللياقة الأمنية.
كما أن توزيع المستبعدين يعكس اتساع الضربة داخل البيت القضائي، إذ شملت 42 مرشحًا من النيابة العامة، و37 من مجلس الدولة، و26 من النيابة الإدارية، بما جعل الغضب يتجاوز الدفعات إلى الهيئات نفسها.
وبالتالي جاءت الأزمة امتدادًا لمسار بدأ في 22 أبريل 2023، حين ألزمت الحكومة المعينين الجدد بدورة تأهيلية في الأكاديمية العسكرية، قبل أن يتمدد الشرط إلى جهات قضائية لها قوانينها وتقاليدها الخاصة.
عسكرة بوابة القضاء
لذلك يرى معترضون داخل الأوساط القضائية أن ما يجري ليس تدريبًا بريئًا، بل نقل لمركز القرار من المجالس الخاصة للهيئات إلى جهة عسكرية تابعة للسلطة التنفيذية، تملك عمليًا حق الإقصاء قبل التعيين.
ومن ثم تحولت الدورة التأهيلية الممتدة لستة أشهر إلى بوابة إلزامية لا يمر منها المرشح إلا بعد اختبار بدني وطبي وأمني، رغم أن طبيعة العمل القضائي تقوم على الفقه القانوني والحيدة وسلامة التقدير.
غير أن خطورة الملف لا تقف عند استبعاد أبناء القضاة، لأن المبدأ نفسه يفتح الباب لإعادة تعريف القاضي المطلوب رسميًا، لا بوصفه رجل قانون، بل مرشحًا مطابقًا لقالب جسدي وإداري تصنعه السلطة.
علاوة على ذلك، فإن اشتراطات الوزن المثالي وقوة الإبصار والكشوف الطبية الصارمة جعلت مستقبل خريجين متفوقين معلقًا بتقديرات لا علاقة مباشرة لها بالمنصة ولا بكتابة الأحكام ولا بتحقيق العدالة.
بناءً على ذلك، تبدو الواقعة كأنها اختبار ولاء مؤسسي أكثر منها اختبار كفاءة، خصوصًا مع ورود حالات استبعاد لأسباب أمنية أو محاضر جامعية، بعد أن تجاوز أصحابها المقابلات القضائية التقليدية.
في المقابل، تدافع السلطة عن المسار باعتباره إعدادًا موحدًا للمعينين الجدد في الدولة، لكن المعترضين يعتبرون أن توحيد التدريب لا يبرر تذويب خصوصية القضاء أو تجريد هيئاته من سلطاتها الدستورية.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير الغضب داخل نوادي القضاة هو أن المرشح المستبعد لا يسقط أمام مجلس قضائي، بل أمام لجنة لا تخضع للتقاليد القضائية ولا تعلن دائمًا أسبابها التفصيلية للرأي العام.
إذ إن الدستور ينص على استقلال السلطة القضائية وقيام كل جهة أو هيئة قضائية على شؤونها، ولذلك يصبح تدخل معيار خارجي حاسم في التعيين مسألة سياسية وقانونية لا مجرد إجراء إداري.
قضاة بين الامتياز والغضب
في هذا السياق، تكشف الأزمة مفارقة قاسية، فغضب بعض القضاة انفجر حين مس الاستبعاد أبناءهم، بينما عانى مواطنون وموظفون ومعلمون من شروط مشابهة سابقًا دون أن تحظى قضاياهم بالزخم المؤسسي نفسه.
لزيادة التوتر، استعاد قضاة أرقام العام الماضي 2025، حين استبعد ما لا يقل عن 173 مرشحًا من أبناء القضاة، ما جعل الأزمة تبدو سياسة مستمرة وليست خطأ عابرًا في دفعة واحدة.
وبينما تتحرك قيادات قضائية لبحث مذكرات اعتراض أو دعاوى طعن، يظل السؤال الأشد إلحاحًا هو لماذا قبلت المؤسسات القضائية انتقال القرار خارجها حتى أصبح الاعتراض يأتي بعد وقوع الاستبعاد لا قبله.
كما أن حديث المستشار أحمد مكي عن تراجع استقلال المؤسسات في الدول التي يهيمن فيها حكم الفرد يمنح هذه الواقعة إطارًا أوسع، إذ تصبح اختبارات الأكاديمية حلقة في سلسلة إخضاع المؤسسات لا تطويرها.
ومن زاوية أخرى، يذكّر طرح المستشار طارق البشري بأن استقلال القضاء لا ينفصل عن الحدود الدستورية بين السلطات، وأن تعدي سلطة على أخرى يفتح الطريق لخلل أعمق من أي خلاف إداري.
كذلك يلفت الحقوقي ناصر أمين إلى أن استقلال القضاء ليس مطلبًا فئويًا يخص القضاة وحدهم، بل ضمانة للمواطن قبل القاضي، لأن العدالة الضعيفة تجعل الخصم الحقيقي هو المجتمع بأكمله.
لكن الأزمة الحالية تكشف أن جزءًا من الدفاع القضائي عن الاستقلال يتحرك بمنطق الخسارة الخاصة، لا بمنطق المبدأ العام، وهو ما يمنح السلطة فرصة لتصوير الغضب كدفاع عن توريث المناصب.
في المقابل، لا يلغي وجود شبهة الامتياز العائلي خطورة تدخل الجهة العسكرية، لأن إصلاح خلل توريث القضاء لا يكون بتسليم مفاتيح التعيين لمنظومة تنفيذية، بل بمعايير شفافة ومعلنة ومتكافئة.
المعايير البدنية وسؤال العدالة
لذلك تبدو معادلة السلطة شديدة الالتباس، فهي ترفع شعار الكفاءة والانضباط، لكنها تخلط بين تأهيل الموظف المدني ومنطق الاصطفاف العسكري، وبين اختيار القاضي واختيار طالب كلية حربية.
وبالمثل، فإن استبعاد مرشح بسبب زيادة وزن تقارب 10 كيلوجرامات أو ضعف نظر قابل للتصحيح يثير تساؤلًا منطقيًا حول علاقة الجسد بالحكم، وحول حدود تدخل الدولة في مسار مهني قانوني.
إضافة إلى ذلك، فإن إدخال الاعتبارات الأمنية في مرحلة لاحقة بعد المقابلات القضائية يمنح الأجهزة مساحة واسعة لإعادة فرز المرشحين، بما يجعل الملف أقرب إلى هندسة اجتماعية للقضاء القادم.
ومن ناحية قانونية، يمكن للتظلمات المنتظرة أمام المجالس الخاصة أو الدعاوى القضائية أن تختبر حدود القرار الحكومي، لكنها ستصطدم بسؤال أعمق عن شجاعة القضاء في حماية اختصاصه من الداخل.
وعلى المستوى الإنساني، فإن عشرات الأسر التي اعتبرت أبناءها على أعتاب المنصة وجدت نفسها أمام سقوط مفاجئ لا يشرحه حكم قضائي، بل نتيجة كشف بدني أو أمني داخل مؤسسة عسكرية.
في النهاية، لا يمكن فصل استبعاد 105 مرشحين عن سياق أوسع من عسكرة المجال العام، حيث تتقدم المؤسسة العسكرية إلى التعليم والتوظيف والقضاء، بينما تتراجع المؤسسات المدنية خطوة بعد خطوة.
ومن هنا، فإن القضية لا تخص أبناء القضاة وحدهم، ولا تستحق التعاطف معهم بوصفهم أصحاب امتياز، بل تستحق المواجهة لأنها تختبر من يملك حق صناعة القاضي في مصر.
وعليه، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الأكاديمية العسكرية وأبناء المستشارين، بل بين دولة القانون ودولة التصاريح، بين قاض يختاره ميزان العدالة وقاض تعبره بوابة اللياقة قبل منصة الحكم.

