أثار مقطع مصوّر يُظهر اعتداء رجل أعمال على فرد أمن داخل مجمع سكني بالتجمع الخامس في القاهرة موجة غضب واسعة على مواقع التواصل، بعد أن انتشر الفيديو متضمّنًا سبابًا واعتداءً جسديًا أمام السكان، في مشهد رأى فيه كثيرون تجسيدًا فاضحًا لاستهانة بعض أصحاب المال بكرامة العاملين في الخدمات، رغم الدور الحيوي الذي يقومون به داخل تلك المجمعات المغلقة.


 

«فرد أمن» يتصدر المنصات ووزارة الداخلية تتحرك تحت ضغط الرأي العام

 

خلال ساعات قليلة تصدّر وسم «فرد أمن» قوائم البحث على منصة «إكس» في مصر، مع تداول مكثف للقطات الاعتداء، وتعليقات تطالب بمحاسبة رجل الأعمال وعدم الاكتفاء ببيانات تهدئة أو تعويضات مالية، واعتبر مستخدمون أن التهاون مع مثل هذه الوقائع يكرّس شعورًا بأن من يملك المال يستطيع الإفلات من العقاب، بينما ركز آخرون على ضرورة دعم فرد الأمن نفسيًا وقانونيًا وتشجيعه على عدم التنازل عن حقه، حتى لا تتحول الواقعة إلى خبر عابر يطويه النسيان بعد أيام.

 

وزارة الداخلية أعلنت لاحقًا ضبط المتهم، وذكرت أنه صاحب مصنع، وأكدت اتخاذ الإجراءات القانونية حياله، بينما باشرت النيابة التحقيق في ملابسات الحادث وسماع أقوال المجني عليه والشهود، في خطوة رآها البعض استجابة طبيعية لانتشار الفيديو وضغوط الرأي العام، لكن أصواتًا أخرى حذّرت من أن ينتهي المشهد إلى «تصالح موثّق» يعيد إنتاج الرسالة السلبية ذاتها، وهي أن العدالة تختلف باختلاف النفوذ الاقتصادي والاجتماعي للأطراف المتورطة في أي نزاع من هذا النوع.

 

الغضب الإلكتروني تجاوز حدود الإدانة الأخلاقية، إذ دعا مستخدمون إلى مقاطعة منتجات المصنع الذي يملكه المتهم، باعتبار المقاطعة أداة ضغط سلمية على من يوظف سلطته المالية في إهانة العاملين، بينما شدّد آخرون على أن المقاطعة وحدها لا تكفي ما لم تُستكمل بإجراءات قانونية واضحة، ورأى فريق ثالث أن تضامن الناس مع فرد الأمن يعبّر عن رفض متنامٍ لـ«ثقافة البلطجة الراقية» داخل الكمبوندات، حيث يتحول بعض السكان إلى سلطة فوق اللوائح والحراس.

 

«ثقافة الكمبوند» وتآكل الطبقة الوسطى: عنف طبقي في فضاء مغلق

 

في قراءة اجتماعية للواقعة، قالت أستاذة علم الاجتماع السياسي الدكتورة هدى زكريا إن ما حدث لا يمكن عزله عن «ثقافة الكمبوند» التي نشأت مع صعود شريحة من الأثرياء الجدد بمعزل عن قيم الطبقة الوسطى التقليدية، موضحة أن العزلة الجغرافية داخل مجمعات مغلقة رافقها نوع من العزلة القيمية عن بقية المجتمع، فانتشرت أنماط سلوكية تتسم بالاستعلاء والاندفاع، ويُنظر فيها إلى العاملين بالخدمات باعتبارهم درجة أدنى في السلم الاجتماعي، لا مواطنين متساوين في الحقوق والكرامة.

 

وتضيف زكريا أن تآكل الطبقة الوسطى خلال العقد الأخير أضعف المنظومة التي كانت تضبط العلاقات الاجتماعية وتمنحها قدرًا من التوازن، فهذه الطبقة كانت تقف تاريخيًا كجسر بين الأغنياء والفقراء، وتحمل قيمًا متوارثة عن الاحترام المتبادل والانضباط في المجال العام، لكن تضييق الخناق الاقتصادي على شرائح واسعة منها، وفتح الباب أمام ثراء سريع غير مرتبط بالجهد أو الكفاءة، خلق فراغًا قيميًا تستفيد منه أنماط العنف الرمزي والجسدي، خاصة في البيئات المغلقة التي يغيب عنها الاحتكاك اليومي بباقي فئات المجتمع.

 

الواقعة ليست الأولى من نوعها؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة حوادث متكررة لاعتداء أصحاب نفوذ أو ثراء على عمال وموظفين في مواقع خدمية مختلفة، وانتشرت مقاطع مشابهة توثّق ضرب سائقين أو عمال نظافة أو نُدُل في مطاعم، ويرى مراقبون أن هذا التكرار يكشف عن خلل بنيوي في العلاقة بين السلطة الاقتصادية والطبقات الأقل دخلًا، حيث يتحول المال أحيانًا إلى تفويض غير مكتوب بممارسة قدر من العنف أو الإذلال دون توقع عقوبة مماثلة لما قد يواجهه مواطن عادي في موقف مشابه.

 

من جانبها، ترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر أن التفاوت الطبقي مهما بلغ حدّته لا يبرر العنف، مشيرة إلى أن القانون والرأي العام يقفان غالبًا إلى جانب الطرف الأضعف عندما تتكشف الحقائق، لكنها تحذر في الوقت نفسه من تأثير بعض الأعمال الدرامية والإعلامية التي تروّج للبلطجة واللغة الفجّة كرمز للقوة، فحين تتكرر صورة «الرجل الغاضب» الذي يحسم كل خلاف بالصوت العالي أو باليد، يتشجع البعض على تقليد هذا النموذج في الواقع اليومي، خاصة في بيئات العمل الخدمية.

 

القانون، الردع، واستعراض الهيمنة في الفضاء العام

 

على الصعيد القانوني، أوضح الخبير القانوني هيثم عمر أن تشريعات العقوبات في مصر شددت تاريخيًا على معاقبة كل من يستغل سلطته أو ولايته للاعتداء على من هم تحت إدارته أو في نطاق خدمته، لكونه في موقع مسؤولية وأمان، لافتًا إلى أن الاعتداء على فرد أمن أثناء أداء عمله يمكن أن يُعامل كاعتداء على موظف في مرفق يخدم الجمهور، وهو ما يغلّظ العقوبة مقارنة بمشاجرة عادية بين طرفين متساويين في الموقف والعلاقة.

 

ويرى مراقبون أن الإشكال لا يتعلق بوجود النصوص بقدر ما يرتبط بسرعة تطبيقها وفاعلية الردع العام؛ فكلما طال أمد التحقيقات أو انتهت بتصالح شكلي، ترسخت لدى الناس قناعة بأن القانون أقسى على الفقراء وأكثر مرونة مع أصحاب النفوذ، بينما تؤكد وقائع أخرى أن حسم مثل هذه القضايا بأحكام واضحة، حتى لو انتهت إلى عقوبات محدودة، يرسل رسالة مختلفة تمامًا عن حدود المقبول في التعامل بين الطبقات.

 

من زاوية نفسية، يشير عدد من المتخصصين في علم النفس الاجتماعي إلى أن بعض أنماط العنف في الفضاء العام ترتبط بما يسمى «استعراض الهيمنة»، حيث يسعى المعتدي إلى تأكيد تفوقه الرمزي أمام الآخرين عبر الإهانة أو الضرب، ولا سيما إذا كان الطرف الآخر في موقع خدمة، ومع شعور بعض الأفراد بالإفلات من العقاب أو ضعف المساءلة المجتمعية، تزداد احتمالات تكرار هذه السلوكيات باعتبارها وسيلة سريعة لإثبات الذات، لا فعلًا مشينًا يكلّف صاحبه ثمنًا قانونيًا واجتماعيًا عاليًا.

 

ويخلص خبراء الاجتماع والقانون إلى أن التعامل الجاد مع واقعة الاعتداء على فرد الأمن في التجمع الخامس يتطلب ما هو أبعد من بيان ضبط المتهم؛ إذ يحتاج الأمر إلى مسار قضائي شفاف، وإلى نقاش أوسع حول ثقافة الكمبوند والدور الذي يلعبه الإعلام والدراما في تطبيع العنف الطبقي، حتى لا يتحول كل مقطع صادم إلى تريند عابر يهدأ مع دورة الأخبار التالية، بينما تظل جذور المشكلة كما هي في بنية المجتمع وعلاقاته اليومية.