في زمن أصبحت فيه الأجهزة الذكية جزءًا من الحياة اليومية للأطفال، يجد كثير من الآباء أنفسهم وسط سيل من النصائح المتضاربة حول عدد الساعات المسموح بها أمام الشاشات وأفضل الطرق للحد من استخدامها. لكن خبراء التربية والصحة الرقمية باتوا يؤكدون أن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد حساب الدقائق والساعات، وأن التركيز على نوعية المحتوى والسياق الذي يُستخدم فيه الجهاز قد يكون أكثر أهمية من مدة الاستخدام نفسها.

 

وترى كاتي ديفيس، الأستاذة بجامعة واشنطن، أن على الآباء إعادة النظر في القواعد التقليدية المرتبطة بالشاشات، موضحة أن التربية الرقمية لا تقتصر على تحديد وقت معين للطفل ثم الانشغال عنه، بل تتطلب فهما أعمق لطبيعة ما يشاهده ويتفاعل معه أثناء استخدامه للأجهزة.

 

وتستند هذه الرؤية إلى دراسات حديثة نُشرت عام 2023 أشارت إلى أن جودة المحتوى الذي يشاهده الأطفال أو يلعبون به قد تكون أكثر تأثيرًا على نموهم من عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشة. كما توصلت مراجعة علمية نُشرت عام 2022 إلى أن آثار استخدام الشاشات تختلف باختلاف المحتوى والظروف المحيطة به، فقد تكون إيجابية في بعض الحالات وسلبية في حالات أخرى.

 

ليست كل الدقائق متشابهة

 

اعتاد كثير من الآباء النظر إلى إدارة استخدام الشاشات باعتبارها مسألة تتعلق بعدد الدقائق المسموح بها يوميًا، إلا أن الخبراء يرون أن هذا التصور لم يعد كافيًا في العصر الرقمي.

 

وتدعو كاتي ديفيس إلى التركيز على طبيعة النشاط الذي يمارسه الطفل أثناء استخدام الجهاز، والأشخاص الذين يتفاعل معهم، وتأثير هذه التجربة على حالته النفسية والسلوكية، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة مدة الاستخدام فقط.

 

وفي السياق ذاته، توضح كينا مكافوي، المتخصصة في الصحة الرقمية، أن مشاهدة طفل في الخامسة من عمره لقصة تعليمية أو برنامج هادئ لمدة 45 دقيقة داخل غرفة المعيشة وبوجود أحد والديه بالقرب منه، تختلف جذريًا عن قضاء المدة نفسها في مشاهدة مقاطع فيديو قصيرة ومتسارعة بمفرده داخل غرفته.

 

وترى أن التجربة الأولى تمنح الطفل فرصًا أكبر للتعلم والتفاعل والاستفادة، بينما قد تؤدي الثانية إلى تشتيت الانتباه وإضعاف التركيز بسبب طبيعة المحتوى السريع والمحفز بشكل مفرط.

 

الهواتف الذكية.. متى يكون الطفل مستعدًا لها؟

 

يشير توماس روبنسون، أستاذ طب الأطفال بجامعة ستانفورد، إلى أن الدراسات الأولى حول وسائل الإعلام الرقمية كانت تربط الاستخدام الطويل للشاشات بمجموعة واسعة من المشكلات الصحية والنفسية، مثل ضعف المهارات الاجتماعية، وتأخر النمو، وزيادة السمنة والسلوك العدواني.

 

إلا أن الأبحاث الحديثة أظهرت أن العلاقة بين مدة استخدام الشاشات وهذه المشكلات ليست بالقوة التي كان يُعتقد سابقًا، وأن تأثير الشاشات يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة الاستخدام نفسه.

 

ورغم أن الهواتف الذكية تساعد الأطفال على التواصل مع أسرهم والشعور بالأمان في بعض المواقف، فإن روبنسون يحذر من أن التأثيرات اليومية الصغيرة قد تتراكم بمرور الوقت لتصبح ذات أثر كبير على الصحة والسلوك والنمو.

 

لماذا يُنصح بتأجيل امتلاك الهاتف؟

 

يوصي روبنسون بتجنب تعريض الرضع والأطفال الصغار للشاشات قدر الإمكان، مؤكدًا أن هذه المرحلة العمرية تحتاج إلى التفاعل المباشر مع الوالدين والأسرة أكثر من حاجتها إلى أي وسيلة رقمية.

 

كما يدعو إلى تأجيل منح الأطفال هواتف ذكية خاصة بهم حتى يصلوا إلى مستوى مناسب من النضج يمكنهم من تنظيم استخدامهم لها بشكل مسؤول.

 

ويشدد على ضرورة ألا تتحول الهواتف إلى عامل يؤثر في النوم أو الدراسة أو العلاقات الأسرية أو الأنشطة الاجتماعية والبدنية التي يحتاجها الطفل للنمو السليم.

 

قواعد ضرورية لحماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي

 

يحذر الخبراء من أن امتلاك الطفل لهاتف ذكي قد يعرّضه لأشكال متعددة من المخاطر الرقمية، مثل التنمر الإلكتروني، وخطاب الكراهية، والمحتوى العنيف، والمواد الإباحية، والإعلانات المضللة، وغيرها من المحتويات غير المناسبة.

 

ولهذا السبب ينصح المختصون بوضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الرقمية داخل المنزل، تشمل تحديد أوقات الاستخدام، واختيار التطبيقات والمحتويات المسموح بها، وتخصيص أوقات يومية خالية من الهواتف، مثل أوقات تناول الطعام والدراسة والنوم.

 

كما يوصى بتخصيص أماكن داخل المنزل تمنع فيها الهواتف، وعلى رأسها غرف النوم، إلى جانب الاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية التي تساعد في متابعة الاستخدام وتطبيق القواعد المتفق عليها.

 

وتشير الدراسات إلى أن الالتزام بهذه القواعد قد يساهم في تقليل السلوك العدواني لدى الأطفال، وخفض معدلات زيادة الوزن، والحد من التأثر بالإعلانات التجارية والمحتوى الاستهلاكي الموجه لهم.

 

ويؤكد روبنسون أنه لا مانع من سحب الهاتف مؤقتًا إذا لم يلتزم الطفل بالقواعد المتفق عليها، لكن الهدف الأساسي ينبغي أن يكون تعليم الطفل الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، لا مجرد حرمانه منها.

 

البرامج الهادئة.. شاشة يمكن أن تكون مفيدة

 

على عكس الاعتقاد السائد بأن جميع البرامج التلفزيونية تؤثر سلبًا على الأطفال، يرى عدد من الخبراء أن بعض البرامج الهادئة ومنخفضة التحفيز يمكن أن تحقق فوائد مهمة للنمو والتطور.

 

وتوضح الاختصاصية النفسية كيتلين سلافينز أن البرامج ذات الإيقاع البطيء والقصص البسيطة تمنح الأطفال فرصة أفضل لفهم الأحداث واستيعاب اللغة والتفكير فيما يشاهدونه، بدلاً من التعرض المستمر للمحتوى السريع والمليء بالمؤثرات.

 

كما ترى المعالجة النفسية أماندا وايت أن هذه البرامج تترك مساحة للخيال والإبداع، لأنها لا تقدم كل التفاصيل جاهزة للطفل، بل تسمح له بالمشاركة الذهنية في بناء الأحداث وتخيل بعض جوانب القصة.

 

كيف تساعد البرامج الهادئة على بناء التوازن النفسي؟

 

تشير الاختصاصية النفسية السريرية إميلي إيدلين إلى أن المحتوى الهادئ يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز مشاعر الاسترخاء والطمأنينة لدى الأطفال، خصوصًا خلال الساعات التي تسبق النوم أو في نهاية اليوم.

 

ولا تقتصر فوائد هذه البرامج على الأطفال فقط، بل قد تكون مريحة للكبار أيضًا، إذ توفر فرصة مشتركة للجلوس والتفاعل بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية.

 

كما يمكن أن تتحول المشاهدة المشتركة إلى نقطة انطلاق لحوارات عائلية مفيدة، تساعد الآباء على فهم أفكار أطفالهم ومشاعرهم بصورة أفضل.

 

كيف تجعل وقت الشاشة أكثر فائدة لطفلك؟

 

  • ينصح الخبراء بأن يشارك الآباء أبناءهم مشاهدة البرامج كلما أمكن ذلك، لأن المشاهدة المشتركة تفتح الباب أمام الحوار والتواصل والتعلم.

 

  • ويوصون بطرح الأسئلة على الأطفال حول ما يشاهدونه، وتشجيعهم على التعبير عن آرائهم ومشاعرهم تجاه الأحداث والشخصيات.

 

  • كما يُستحسن مناقشة أي موضوعات حساسة قد يتضمنها المحتوى، ومساعدة الطفل على فهمها بطريقة مناسبة لعمره.

 

  • وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تحويل كل لحظة مشاهدة إلى جلسة تعليمية؛ إذ يرى المختصون أن الجلوس بهدوء مع الطفل والاستمتاع بالمحتوى المشترك قد يكون في حد ذاته تجربة تربوية وعاطفية مهمة.

 

  • وأخيرًا، ينصح الخبراء بمراقبة سلوك الطفل بعد انتهاء المشاهدة، والانتباه إلى ما إذا كان يبدو هادئًا ومتزنًا، أم سريع الانفعال ومضطرب المشاعر، لأن ردود الفعل هذه قد تكشف الكثير عن مدى ملاءمة المحتوى الذي يتعرض له وتأثيره الحقيقي على نموه النفسي والسلوكي.