حذرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، من أن تصاعد الحديث الدولي عن عودة اللاجئين السوريين يصطدم بغياب البيئة الآمنة والمستدامة داخل سوريا، وبضغوط قانونية ومعيشية متزايدة في دول اللجوء، خصوصًا مصر ولبنان.

 

وتكشف الوقائع أن ملف العودة لم يعد إنسانيًا خالصًا، بل تحول إلى ورقة سياسية تستخدمها حكومات مأزومة لتخفيف أعبائها الداخلية، بينما يدفع اللاجئ السوري ثمن المعادلة وحده بين ضيق المنفى وخطر الرجوع إلى بلد لم يتعاف بعد.

 

أرقام كبيرة وعودة غير مضمونة

 

يشير التقرير إلى أن عام 2025 شهد عودة نحو 1.3 مليون سوري، مع انخفاض عدد اللاجئين السوريين عالميًا من 6 ملايين إلى 4.9 مليون، غير أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة نجاحًا في ملف الحماية أو تحقق شروط العودة الطوعية.

 

ويؤكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن معيار العودة الآمنة لا يقاس بعدد العائدين، بل بحرية القرار وتوافر الأمن القانوني والخدمات الأساسية وضمان عدم تعرض العائدين للاعتقال أو الابتزاز أو فقدان الممتلكات.

 

ورغم سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وهو الحدث الذي أزال أحد أهم العوائق السياسية أمام عودة اللاجئين، فإن الواقع الداخلي بقي مثقلًا بخراب البنية التحتية، وانهيار الخدمات، وانتشار السلاح، وضعف مؤسسات العدالة.

 

وتزداد خطورة المشهد مع استمرار معضلات الملكية والسكن، إذ يواجه كثير من العائدين صعوبات في إثبات ملكية بيوتهم أو استرداد ممتلكاتهم المصادرة أو المدمرة، ما يجعل الرجوع بداية لمعركة جديدة لا نهاية للجوء.

 

وفي المناطق التي خضعت حديثًا لسيطرة الحكومة السورية في يناير 2026، مثل أجزاء من الرقة ودير الزور، تبدو العودة أكثر هشاشة بسبب ضعف الخدمات، وغياب فرص العمل، واتساع الفقر، وتراكم آثار الحرب.

 

كما وثقت الشبكة السورية مقتل ما لا يقل عن 341 مدنيًا، بينهم 88 طفلًا و21 سيدة، منذ سقوط النظام وحتى يونيو 2026، نتيجة الألغام ومخلفات الذخائر العنقودية، وهو رقم ينسف أي خطاب متعجل عن الأمان.

 

مصر ولبنان وضغط المنفى

 

في مصر، رصد التقرير تدهورًا في الأوضاع القانونية والإنسانية للسوريين بين يناير وأبريل 2026، شمل احتجاز لاجئين مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب ضغوط معيشية وإدارية تجعل البقاء أكثر قسوة.

 

وتكمن خطورة الحالة المصرية في أن التضييق لا يأتي دائمًا عبر قرار ترحيل مباشر، بل عبر تراكم إجراءات الإقامة والكلفة القانونية والقيود اليومية، بما يدفع اللاجئ إلى التفكير في العودة ولو لم تكن آمنة أو مستنيرة.

 

أما في لبنان، فيظل ملف اللاجئين حاضرًا بقوة في الخطاب السياسي الرسمي، حيث تتكرر الدعوات لتسريع عودتهم، وسط أزمة اقتصادية داخلية، وتوتر اجتماعي، ومناخ عام يحمل السوريين أعباء أكبر من مسؤوليتهم الفعلية.

 

ويحذر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي من أن عودة السوريين تحتاج إلى دعم ضخم داخل سوريا وفي الدول المضيفة، لأن غياب الخدمات وفرص العمل والسكن قد يحول العودة إلى دورة نزوح جديدة.

 

هذا التحذير لا ينفصل عن مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يلزم الدول المضيفة بعدم دفع اللاجئين إلى بيئة غير آمنة، سواء بقرارات مباشرة أو بسياسات تضييق تجعل الحياة في المنفى مستحيلة عمليًا.

 

ومن هنا، تصبح العودة الطوعية الحقيقية مشروطة بثلاثة عناصر أساسية: قرار حر بلا ضغط، ومعلومات واضحة عن الأوضاع داخل مناطق العودة، وضمانات قانونية تمنع الاعتقال أو المصادرة أو التمييز أو الانتقام.

 

وطن مدمر وأسئلة العدالة

 

تظهر الأزمة بوضوح في الفجوة بين الخطاب الدولي المتفائل نسبيًا وبين حياة السوري العائد، فالكهرباء والمياه شهدتا تحسنًا محدودًا في بعض المناطق، لكن تكاليف المعيشة في 2026 جعلت الاستقرار اليومي شبه مستحيل.

 

وتشير تقديرات أممية وإنسانية إلى أن ملايين السوريين ما زالوا بحاجة إلى المساعدة، وأن العودة الواسعة تجري داخل بلد لم ينجز بعد تسوية سياسية وعدلية واقتصادية قادرة على استيعاب من يعودون إليه.

 

ويرى باولو سيرجيو بينيرو، رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، أن أي انتقال مستقر لا يمكن فصله عن المحاسبة وكشف مصير المختفين ومعالجة الانتهاكات، لأن غياب العدالة يبقي الخوف حاضرًا حتى بعد تغير السلطة.

 

وتكشف هذه الرؤية أن العودة ليست مجرد عبور حدود أو دخول قرية، بل اختبار لعلاقة السوري بدولته الجديدة، وبقدرته على العيش دون خوف من ملف أمني قديم أو انتقام محلي أو غياب حماية قضائية.

 

لذلك تطالب الشبكة السورية الحكومة السورية بتبني سياسة وطنية واضحة للعودة، تشمل السكن والملكية والدعم الفوري للعائدين، إلى جانب رقابة مستقلة تضمن عدم تحويل العودة إلى عملية دعائية تخفي الانهيار المعيشي.

 

كما تدعو الأمم المتحدة والمانحين إلى ربط التمويل بالمساءلة والشفافية، لا بمجرد أرقام العودة، لأن ضخ المساعدات دون رقابة قد يعيد إنتاج شبكات فساد أو يترك العائدين رهائن لسلطات محلية ضعيفة.

 

وفي المحصلة، لا تعكس عودة 1.3 مليون سوري نهاية أزمة اللجوء، بل انتقالها من المخيمات والبلدان المضيفة إلى الداخل السوري، حيث الأمن الهش، والفقر العميق، والمنازل المدمرة، والذاكرة المثقلة بالخوف.

 

إن العودة الكريمة لا تصنعها بيانات الحكومات ولا رغبة المجتمع الدولي في إغلاق الملف، بل تصنعها ضمانات حقيقية تمنح السوري حقه في الأمان والبيت والعدالة، وإلا فإن العودة ستصبح اسمًا آخر للنزوح.