تسعى إسرائيل اليوم، وبشكل علني، إلى تنفيذ ما تسميه بـ"الترحيل الطوعي" للفلسطينيين من قطاع غزة، وهو مصطلح يخفي خلفه رغبة قديمة في إفراغ الأرض من سكانها الأصليين.
الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى بدايات قيام الدولة الإسرائيلية عام 1948، حين شهدت فلسطين عملية تطهير عرقي واسعة تُعرف بالنكبة.

على مدار السنوات، سعت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى إخفاء الوثائق التي توثق جرائم التطهير، بإزالتها من الأرشيف الرسمي، في محاولة للتنصل من الماضي. إلا أن ما كان يُقال خلف الأبواب المغلقة أصبح يُعلن الآن في العلن.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عبّر القادة الإسرائيليون بوضوح عن نيتهم تهجير الفلسطينيين من غزة. ففي عام 1967، صرّح وزير الدفاع موشيه دايان بأنه "إذا أمكننا إجلاء 300 ألف لاجئ من غزة، يمكننا ضم القطاع دون مشكلة". وكان هدفه النهائي واضحًا: إفراغ غزة من سكانها الفلسطينيين وتوطين اليهود مكانهم.

أما رئيس الوزراء حينها، ليفي أشكول، فقد عبّر عن امتعاضه من وجود 400 ألف عربي في غزة، معتبرًا أن ضم القدس وغزة يتطلب خطابًا مزدوجًا، حيث إن القدس تمثل "قضية وجودية"، بينما غزة تثير "مرارة" بسبب سكانها.

هذا الفكر لم يختف، بل تعمّق، وها هو يعود بقوة إلى الخطاب الرسمي الإسرائيلي في عام 2025. الحكومة الحالية، المدعومة من تيارات يمينية متطرفة، ترى أن تفريغ غزة أصبح هدفًا ضروريًا، ويتم العمل عليه بصمت وتحالفات دولية. تم بالفعل نقل أول دفعة من مئة فلسطيني من غزة إلى إندونيسيا ضمن برنامج تجريبي للعمل، مع توقعات بتوسيع البرنامج. وتشير تقارير إلى محادثات مع دول أفريقية مثل الكونغو لاستقبال المزيد من الفلسطينيين.

لطالما استخدمت إسرائيل أدوات مثل الرشوة والدعم العسكري لكسب تعاون أنظمة استبدادية في أفريقيا وآسيا لتحقيق أهدافها السياسية.

ورغم أن التظاهرات ضد حكومة نتنياهو الحالية تعكس حالة رفض داخلي لبعض السياسات، إلا أنها غالبًا ما تركز على قضايا الفساد والرهائن، دون إظهار تعاطف حقيقي مع معاناة الفلسطينيين.

في المشهد السياسي، أصبح اليسار الإسرائيلي ضعيفًا، لا يمتلك أي تأثير فعلي، وسط هيمنة تامة من القوى اليمينية المتطرفة الداعية للاستيطان وضم الأراضي. منذ سنوات، تسيطر هذه القوى على مفاصل الدولة، من الحكومة إلى الجيش والدبلوماسية.

وقد منح عهد ترامب إسرائيل الضوء الأخضر لمزيد من التوسع والتطرف، من خلال دعم غير مسبوق لحركات الاستيطان وسياسات الضم.

المجتمع الإسرائيلي، بشكل عام، يظهر تجاهلًا متعمدًا لما يحدث في غزة، رغم قرب المسافة بين المستوطنات والمدن الفلسطينية. هذا التجاهل لا ينبع فقط من الخوف أو الجهل، بل يعكس عنصرية متأصلة.

أحد أبرز أحلام اليمين الإسرائيلي المتطرف هو هدم المسجد الأقصى وبناء "الهيكل" مكانه. وقد أظهرت استطلاعات أن ثلث الإسرائيليين يدعمون هذا التوجه، رغم خطورته الإقليمية والدولية.

الرأي العام الإسرائيلي، كما تكشفه الاستطلاعات، مليء بمظاهر التمييز ضد العرب. فاستطلاع عام 2016 أظهر أن نحو نصف الإسرائيليين لا يرغبون في السكن مع العرب في نفس المبنى، وثلثهم يؤيد فصل الأمهات العربيات عن اليهوديات في المستشفيات.

ومنذ 7 أكتوبر 2023، لم تتوقف جرائم الجيش الإسرائيلي في غزة، بل صار الجنود يوثقونها بأنفسهم على وسائل التواصل. لكن رد الفعل الرسمي لم يكن وقف الجرائم، بل منع توثيقها خوفًا من الملاحقة القانونية.

المجتمع الإسرائيلي، ومعظم الجاليات اليهودية حول العالم، اختارت الاصطفاف خلف حكومة يمينية متطرفة، تتفاخر بتدمير غزة وترى في الفاشية وسيلة لتحقيق الأمن القومي. في ظل صعود اليمين المتطرف عالميًا، يبدو أن إسرائيل تقدم نموذجًا مستقرًا ومُلهمًا لهذا التوجه.

https://www.middleeasteye.net/opinion/israel-has-always-wanted-expel-palestinians-now-its-saying-quiet-part-out-loud