أعلنت دول أوروبية عدة، من بينها بولندا وفنلندا ودول البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا)، عن نيتها الانسحاب من اتفاقية أوتاوا لعام 1997 التي تحظر استخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد، وذلك في ظل ما وصفته بتهديدات متزايدة من روسيا.
هذا التحول يعيد إلى الواجهة سجالاً طالما خاضه نشطاء حقوق الإنسان ومناصرو نزع السلاح، إذ يعتبرون الألغام الأرضية من أكثر الأسلحة تدميراً على المدى الطويل، إذ تظل تهدد حياة المدنيين لعقود بعد انتهاء الحروب، وتتسبب في قتل وتشويه الآلاف، بينهم عدد كبير من الأطفال.
الاتفاقية، التي جرى توقيعها بعد الحرب الباردة كجزء من الجهود الدولية لنزع السلاح، تلزم الدول الموقعة بعدم إنتاج أو تخزين أو استخدام أو نقل الألغام المضادة للأفراد. بانسحاب هذه الدول، ستتمكن من استئناف إنتاج هذه الأسلحة واستخدامها مجددًا.
حتى الآن، أعلنت جميع الدول الأوروبية التي تحد روسيا عن نيتها الانسحاب من الاتفاقية، باستثناء النرويج، التي أكدت في بيان حديث أهمية الحفاظ على الرفض الدولي للألغام رغم تصاعد التهديدات.
تبرر هذه الدول موقفها بمخاوف من أن تستغل روسيا أي هدنة أو توقف في القتال، كما يروج له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إطار سعيه لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لإعادة التسلح وتوسيع نطاق التهديد على الدول المجاورة.
يرى بعض المسؤولين أن الانسحاب من الاتفاقية سيسمح بوضع هذه الدول في موقف أكثر توازنًا أمام روسيا، التي لم توقع أصلًا على الاتفاقية، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة، الصين، الهند، وإسرائيل.
في الوقت نفسه، يواجه العمل الدولي لإزالة الألغام تراجعًا كبيرًا بسبب تقليص التمويل الأمريكي. ووفقًا للحملة الدولية لحظر الألغام، أدى هذا التراجع إلى "شلل" في البرامج الإنسانية. وكانت الولايات المتحدة أكبر ممول دولي لهذه الجهود، حيث ساهمت بأكثر من 300 مليون دولار سنويًا، أي ما يمثل 40% من الدعم العالمي، حسب تقرير "لاندماين مونيتور" لعام 2024.
وفي مارس 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها أعادت تفعيل بعض البرامج المتعلقة بإزالة الألغام، دون الكشف عن تفاصيل، علماً بأن الولايات المتحدة سبق وأن نفذت برامج واسعة النطاق في العراق وأفغانستان ولاوس.
تشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن أكثر من 80% من ضحايا الألغام هم من المدنيين. وتستهدف المعاهدة تقديم دعم للضحايا، وهم في الغالب ممن فقدوا أطرافهم أو يعانون من إعاقات دائمة. وفي أكتوبر 2024، أعلنت الأمم المتحدة أن أوكرانيا أصبحت الدولة الأكثر تلوثًا بالألغام في العالم، مشيرة إلى وقوع نحو 1,286 ضحية مدنية حتى أغسطس من العام نفسه.
تنص الاتفاقية على أن تقوم الدول الموقعة بتدمير مخزونها من الألغام خلال أربع سنوات من التصديق عليها، لكن لم تلتزم جميع الدول بهذا الشرط. وأعلنت بولندا مؤخرًا أنها تعتزم استئناف إنتاج الألغام، بينما تنظر دول أخرى مثل ليتوانيا في الانسحاب أيضًا من اتفاقية 2008 الخاصة بحظر الذخائر العنقودية.
الذخائر العنقودية تُعتبر من أخطر الأسلحة، حيث تطلق قنابل صغيرة على مساحات واسعة، ويظل العديد منها غير منفجر، مما يشكل تهديداً دائماً. والولايات المتحدة، التي لم تصادق على هذه الاتفاقية أيضًا، أرسلت في عام 2023 ذخائر عنقودية إلى أوكرانيا لدعمها في مواجهة روسيا.
أما في أفريقيا، فقد حذرت الأمم المتحدة من تلوث أكثر من 444 مليون متر مربع من الأراضي في ليبيا بالألغام، في مشهد يعكس فداحة التحديات التي يشكلها هذا النوع من الأسلحة.
تتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه التطورات إلى تراجع عالمي في الجهود الرامية للحد من استخدام الألغام، خصوصًا في ظل انسحاب دول مؤثرة وتراجع التمويل والدعم الإنساني، مما قد يعيد هذا السلاح الفتاك إلى الواجهة بعد عقود من الجهود الدولية لتجريمه وإنهائه.