حذرت نقابة الصيادلة من استمرار الأخطاء الدوائية الناتجة عن الروشتات المكتوبة بخط اليد، وسط تساؤلات غاضبة بشأن عجز حكومة السيسي عن تعميم نظام إلكتروني يحمي المرضى من مخاطر صرف الأدوية الخاطئة.
طالبت النقابة وزارة الصحة بإلزام الأطباء باستخدام الوصفات المطبوعة أو الإلكترونية، بعدما تحولت صعوبة قراءة بعض الروشتات إلى خطر يهدد سلامة المرضى، ويكشف أوجه القصور في تنظيم الخدمات الصحية.
روشتة غامضة تهدد سلامة المرضى
وفي الوقت الذي تتحدث فيه حكومة السيسي عن التحول الرقمي وتطوير الخدمات، لا يزال مرضى يواجهون وصفات طبية يصعب فهمها، بما يفتح الباب أمام أخطاء قد تكون عواقبها الصحية جسيمة.
وبدلًا من فرض إجراءات واضحة تضمن سلامة الوصفات الطبية، يستمر الاعتماد على الكتابة اليدوية داخل عيادات عديدة، بينما يتحمل المريض والصيدلي تبعات غياب نظام موحد يمنع الالتباس قبل وقوعه.
كما حذرت نقابة الصيادلة من تشابه أسماء بعض الأدوية وصعوبة تحديد الجرعات، وهي مشكلات قد تؤدي إلى صرف علاج غير مناسب، بما يستدعي تدخلًا حكوميًا يتجاوز الوعود والتصريحات.
وفي كثير من الحالات، يضطر الصيدلي إلى التواصل مع الطبيب للتحقق من اسم الدواء أو جرعته، وهي خطوة ضرورية للسلامة، لكنها تكشف خللًا كان يمكن تجنبه بوصفة واضحة.
ومن جانبه، اعتبر الدكتور ثروت حجاج، عضو مجلس نقابة الصيادلة، أن طباعة الروشتة تمثل أبسط الحلول المتاحة، متسائلًا عن أسباب استمرار الكتابة اليدوية رغم سهولة استخدام الطابعات الحديثة.
واستشهد حجاج بواقعة طفلة تناولت دواءً للصرع بدلًا من علاج للبرد، في مثال يثير مخاوف جدية بشأن عواقب الالتباس الدوائي، وضرورة توفير ضمانات صارمة عند كتابة الوصفات وصرفها.
وهنا تبرز مسؤولية وزارة الصحة عن وضع قواعد ملزمة للكتابة الطبية، بدلًا من ترك سلامة المرضى رهينة لاجتهادات فردية، تختلف من عيادة إلى أخرى ومن طبيب إلى آخر.
والأخطر أن هذه المشكلة لا تحتاج إلى اختراع علمي جديد، بل إلى تنظيم واضح ورقابة فعالة، وإرادة تضع حماية المرضى فوق البيروقراطية والتقاعس عن تحديث المنظومة الصحية.
وبينما يجري التوسع في الحديث عن إنجازات الرقمنة، يظل السؤال المحرج قائمًا: كيف تتقدم خطط التكنولوجيا الحكومية، بينما لم تصبح الوصفة الطبية الواضحة حقًا مضمونًا لكل مريض؟
الأسماء التجارية تربك صرف الدواء
ولم تتوقف تحذيرات الصيادلة عند سوء الخط، إذ كشف حجاج جانبًا آخر من الأزمة يتعلق بالإصرار على كتابة الأسماء التجارية للأدوية، بدلًا من الاعتماد على الأسماء العلمية للمواد الفعالة.
وأوضح أن تعدد الأسماء التجارية للمادة الفعالة الواحدة يربك منظومة صرف الأدوية، وقد يحرم المرضى من معرفة بدائل أخرى أقل تكلفة، رغم احتوائها على المادة العلاجية نفسها.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية التي تثقل الأسر المصرية، تصبح معرفة البدائل الدوائية المناسبة قضية تمس قدرة المرضى على الحصول على العلاج، بعيدًا عن هيمنة الاختيارات التجارية محدودة البدائل.
كما أثار حجاج تساؤلات بشأن استفادة شركات بعينها من الإصرار على وصف العلامات التجارية، مطالبًا بأن تكون مصلحة المريض هي المعيار الأساسي لاختيار العلاج وليس المصالح التسويقية.
وفي المقابل، فإن اعتماد الاسم العلمي يحتاج إلى ضوابط مهنية تضمن اختيار البديل المناسب من حيث التركيز والشكل الدوائي والجرعة، حتى لا تتحول معالجة مشكلة إلى صناعة مشكلة أخرى.
وأشار حجاج إلى أن بعض الدول تفرض قواعد حازمة بشأن كتابة الأسماء العلمية، مستشهدًا بالتجربة السعودية، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن غياب تنظيم مماثل وشامل داخل مصر.
وليس المرضى وحدهم من يدفعون ثمن هذه الفوضى، إذ تتعرض الصيدليات الصغيرة لضغوط مالية نتيجة اضطرارها إلى توفير أصناف تجارية متعددة، تحمل أحيانًا المادة الفعالة نفسها.
وبحسب حجاج، فإن كثرة الأصناف قد تدفع مستحضرات منخفضة السعر وجيدة الجودة خارج المنافسة، بينما تتقدم منتجات أخرى بفعل قدراتها التسويقية، بما يضر بالصيدليات والمرضى معًا.
وهكذا تتسع الأزمة من مجرد خط طبي غير مقروء إلى اختلالات تنظيمية واقتصادية، تتطلب تدخلًا حكوميًا جادًا يحمي حق المواطن في العلاج المناسب بالسعر الذي يستطيع تحمله.
رقمنة متعثرة ومسؤولية حكومية مباشرة
وفي مواجهة هذه الاختلالات، طالبت نقابة الصيادلة بإقامة نظام إلكتروني موحد يربط الوصفات الطبية بالصيدليات، ويتيح تتبع الأدوية المصروفة والجرعات والتداخلات الدوائية المحتملة.
وأكد حجاج أن الحل لا يقتصر على استبدال الورقة المكتوبة بأخرى مطبوعة، بل يتطلب منظومة مترابطة تسجل بيانات المرضى ووصفاتهم وتتيح الرجوع إليها بصورة آمنة ومنظمة.
ومن شأن هذا النظام تقليل احتمالات الأخطاء، وتسهيل متابعة التاريخ الدوائي، وتوفير بيانات يمكن الرجوع إليها عند وقوع مشكلة، بدلًا من ضياع المسؤوليات بين الطبيب والصيدلية والمريض.
لكن الدكتور خالد أمين، الأمين المساعد لنقابة الأطباء، كشف عن عقبة أساسية تتمثل في ضعف البنية التحتية التقنية ببعض المنشآت الحكومية، مقارنة بما هو متاح داخل القطاع الخاص.
ويفتح هذا الاعتراف الباب أمام مساءلة حكومة السيسي عن أولويات الإنفاق وتحديث المستشفيات، بعدما أصبح توفير بنية تقنية قادرة على حماية المرضى تحديًا داخل مؤسسات يفترض أن تقدم الخدمة الأساسية.
كما أوضح أمين أن تعميم الروشتة الإلكترونية يحتاج إلى أجهزة وبرمجيات وشبكات اتصال وتدريب للعاملين، وليس مجرد إصدار قرار إداري جديد دون توفير متطلبات تنفيذه.
والمفارقة أن الروشتة الإلكترونية مطبقة بالفعل في منظومة التأمين الصحي الشامل بالمحافظات التي دخلتها، ما يؤكد وجود تجربة مصرية يمكن البناء عليها بدلًا من استمرار التفاوت بين المنشآت.
غير أن وجود تجربة محدودة لا يعفي الحكومة من مسؤولية التوسع المنظم، ولا يبرر استمرار الاختلاف في مستوى الأمان الدوائي بحسب المستشفى أو المنطقة التي يتلقى فيها المواطن علاجه.
وفوق ذلك، فإن بناء قاعدة بيانات طبية موحدة يستلزم حماية خصوصية المرضى، وضبط صلاحيات الوصول إلى معلوماتهم، ومنع تسريب بياناتهم الصحية أو استخدامها خارج أغراض العلاج.
وفي الوقت نفسه، يتطلب المشروع تنسيقًا بين وزارات الصحة والتعليم العالي والاتصالات، حتى لا تتحول الوعود الحكومية إلى منظومات متفرقة لا تتواصل مع بعضها ولا تحقق الحماية المطلوبة.
والواقع أن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في رداءة بعض الخطوط الطبية، وإنما في استمرار منظومة تسمح بتراكم الأخطاء المحتملة، دون ضمان تعميم إجراءات وقائية واضحة على جميع مقدمي الخدمة.
وتتحمل حكومة السيسي المسؤولية السياسية عن معالجة هذه الثغرات، لأن حماية المرضى ليست ترفًا تقنيًا، ولا يجوز أن تظل رهينة مبادرات متفرقة أو مطالبات نقابية تنتظر الاستجابة.
وأخيرًا، تكشف مطالب الصيادلة أن القضية أكبر من روشتة يصعب قراءتها؛ إنها اختبار لمدى جدية السلطة في حماية صحة المصريين، وتقديم سلامتهم على الدعاية والوعود الحكومية المتكررة.
فالمريض الذي يدخل العيادة بحثًا عن الشفاء يجب ألا يخرج منها بوصفة قد تعرضه للخطر، وأي تقاعس عن توفير نظام أكثر أمانًا يستوجب المحاسبة، لا المزيد من التصريحات.

