أعلنت وزارة الحرب الإسرائيلية، الخميس 8 أكتوبر، افتتاح أول جناح عسكري رسمي لها في معرض مراكش للطيران، بمشاركة ثماني شركات تسليح، في خطوة تكشف توسع التطبيع المغربي الإسرائيلي إلى قلب الصناعات العسكرية.

 

وكشفت الاحتجاجات المغربية عن رفض شعبي لهذا المسار، بعدما خرج مئات المواطنين للتنديد بمشاركة شركات الاحتلال، مطالبين بإسقاط التطبيع وإنهاء العلاقات العسكرية والأمنية مع تل أبيب.

 

 

أسلحة الاحتلال تغزو معرض مراكش

 

تحول معرض مراكش للطيران، الذي يُقام من 7 إلى 10 أكتوبر، إلى منصة رسمية لعرض الصناعات العسكرية الإسرائيلية، رغم اتهامات حقوقية خطيرة تطارد الشركات المشاركة بسبب ارتباطها بالعمليات العسكرية ضد الفلسطينيين.

 

وتتصدر المشاركة الإسرائيلية شركات الصناعات الجوية الإسرائيلية وإلبيت سيستمز ورافائيل، وهي مؤسسات عسكرية كبرى ترتبط بإنتاج الطائرات المسيّرة وأنظمة الصواريخ والتسليح المتطور وتقنيات المراقبة والاستخبارات.

 

وتعرض هذه الشركات منظومات تشمل صواريخ لورا الدقيقة وطائرات هيرون المسيّرة، إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي والاتصالات الفضائية، في استعراض يكشف اتساع المصالح العسكرية بين الرباط وتل أبيب.

 

والأخطر أن وزارة الحرب الإسرائيلية تتباهى بأن المعدات المعروضة مختبرة في ساحات القتال، وهي عبارة تثير تساؤلات أخلاقية حادة بشأن استخدام الحروب لتسويق الأسلحة وتحقيق الأرباح.

 

وفي المقابل، يرى مناهضو التطبيع أن استضافة هذه الشركات تمنح صناعة السلاح الإسرائيلية شرعية سياسية وتجارية، بينما لا تزال جرائم الحرب والانتهاكات بحق الفلسطينيين موضع اتهامات ومطالبات دولية بالمحاسبة.

 

وتزداد خطورة المشهد مع زيارة مسؤولين عسكريين مغاربة للجناح الإسرائيلي، بما يعكس انتقال العلاقات من التعاون الدبلوماسي إلى حضور عسكري علني داخل منشأة تابعة للقوات الجوية المغربية.

 

كما اعتبرت وزارة الحرب الإسرائيلية المشاركة محطة مهمة لتوسيع صادراتها العسكرية وشراكاتها الدولية، بما يكشف أن المعرض يمثل فرصة تجارية واستراتيجية تتجاوز مجرد عرض المعدات والتقنيات.

 

وفي سبتمبر 2025، أدرجت منظمة العفو الدولية الشركات الإسرائيلية الثلاث الكبرى المشاركة في المعرض ضمن مؤسسات قالت إنها تسهم في الاحتلال غير القانوني أو الإبادة الجماعية أو انتهاكات أخرى للقانون الدولي.

 

وطالبت المنظمة بمنع الشركات المتورطة في هذه الانتهاكات من المشاركة في المعارض التجارية والعقود الحكومية، ما يضع استضافتها في مراكش أمام تساؤلات جدية بشأن الالتزامات الحقوقية والأخلاقية.

 

وتكشف هذه المعطيات تناقضاً صارخاً بين المطالبات الحقوقية بمحاسبة الشركات العسكرية الإسرائيلية وبين منحها منصات جديدة للترويج لمنتجاتها، بينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن الحروب والاحتلال.

 

 

الشارع المغربي ينتفض ضد التطبيع

 

شهدت مدينة مراكش، الأربعاء 7 أكتوبر، وقفة احتجاجية شارك فيها مئات المغاربة، رفضاً لاستضافة الشركات الإسرائيلية، وتنديداً باستمرار العلاقات مع تل أبيب رغم الحرب والدمار في غزة.

 

ودعت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع إلى الوقفة، التي رفع المشاركون خلالها شعارات تطالب بإسقاط التطبيع وإغلاق التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي ورفض مشاركة شركات التسليح في المعرض.

 

وردد المحتجون هتافات بينها «الشعب يريد إسقاط التطبيع» و«لا سفير لا سفارة»، في تعبير مباشر عن رفض تحويل العلاقات مع الاحتلال إلى شراكة عسكرية واقتصادية متنامية.

 

وتدخلت القوات العمومية لمنع تحول الوقفة إلى مسيرة، بحسب التغطيات المحلية، ما أثار غضب المشاركين الذين احتجوا على القيود المفروضة على تحركهم السلمي المناهض للتطبيع.

 

وسبقت هذه الاحتجاجات دعوات صريحة من حركة المقاطعة بالمغرب «BDS» لإلغاء مشاركة شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية ومنع جميع شركات التسليح الإسرائيلية من دخول المعرض.

 

وأكدت الحركة أن استقبال الشركات العسكرية الإسرائيلية يمثل امتداداً خطيراً للتطبيع الرسمي، ويثير أسئلة بشأن طبيعة الشراكات العسكرية والتكنولوجية التي يجري تطويرها بعيداً عن المطالب الشعبية الرافضة للاحتلال.

 

وطالبت الحركة المواطنين والمهندسين والباحثين والمهنيين والنقابات والجمعيات بمقاطعة المعرض، ورفض تحويل المغرب إلى واجهة لتسويق المعدات العسكرية الإسرائيلية ومنح الشركات المتهمة بالانتهاكات غطاءً تجارياً.

 

ولم تكتف الحركة بالمطالبة بإلغاء المشاركة، بل دعت السلطات المغربية إلى إسقاط الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل، خصوصاً في المجالين الأمني والعسكري، وإعادة النظر في مجمل التعاون معها.

 

وفي السياق نفسه، رفضت الحملة المغربية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل مشاركة شركات التسليح الإسرائيلية، معتبرة استمرار الأنشطة التطبيعية محاولة لتقديم العلاقات مع الاحتلال باعتبارها أمراً طبيعياً.

 

وربطت الحملة بين التطبيع العسكري والثقافي، محذرة من استخدام الفعاليات الدولية لتجميل العلاقات الإسرائيلية، بينما تستمر المطالب الحقوقية والسياسية بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ضد الفلسطينيين.

 

كما أعلن حزب العدالة والتنمية المغربي، في بيان رسمي، رفضه جميع أشكال التطبيع والعلاقات والاتفاقيات مع إسرائيل، مؤكداً موقفه المناهض لاستمرار هذا المسار.

 

وشدد الحزب على رفض توسيع العلاقات الدبلوماسية، في موقف يعكس امتداد المعارضة السياسية للتطبيع خارج الحركات الاحتجاجية، ويكشف أن الاعتراض لا يقتصر على مجموعات المقاطعة والنشطاء.

 

 

التطبيع العسكري يتحدى الرفض الشعبي

 

بدأت العلاقات الرسمية الجديدة بين المغرب وإسرائيل عام 2020 ضمن اتفاقيات أبراهام، لكن السنوات التالية شهدت انتقال التعاون من القنوات الدبلوماسية إلى صفقات التسليح والتكنولوجيا العسكرية والصناعات الدفاعية.

 

وفي سبتمبر الماضي، أعلنت إسرائيل الاتفاق مع المغرب على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل فتح السفارات، في خطوة أثارت رفضاً متجدداً لدى القوى المناهضة للتطبيع.

 

ويكشف الجمع بين توسيع العلاقات الدبلوماسية واستقبال شركات التسليح أن التطبيع لم يعد مجرد اتصالات سياسية، بل أصبح مشروعاً متشعباً يشمل الأمن والتكنولوجيا والصناعة والأسواق العسكرية.

 

وتبدو المفارقة أكثر استفزازاً مع القيود التي واجهتها شركات عسكرية إسرائيلية في معارض أوروبية، بينما حصلت في مراكش على جناح رسمي وحضور عسكري ودبلوماسي واسع.

 

ففي معرض باريس للطيران عام 2025، أغلقت السلطات الفرنسية أجنحة لشركات تسليح إسرائيلية بسبب خلاف بشأن عرض أسلحة هجومية، وهي الشركات التي تجد اليوم فرصاً جديدة داخل المغرب.

 

ويطرح هذا التناقض سؤالاً سياسياً وأخلاقياً مباشراً: كيف تتحول شركات تواجه مطالبات دولية بتقييد مشاركتها إلى ضيوف رسميين في دولة لا يزال قطاع واسع من ناشطيها يرفض التطبيع؟

 

كما يثير التعاون العسكري المتنامي تساؤلات بشأن حدود الاعتماد على التكنولوجيا الإسرائيلية، ومدى تأثير الاتفاقيات الدفاعية طويلة الأمد في استقلال القرارات المتعلقة بالتسليح والأمن الوطني المغربي.

 

ولا تلغي المصالح الاقتصادية أو الطموحات الصناعية حق المواطنين في مساءلة حكومتهم عن طبيعة هذه الاتفاقيات، والجهات المستفيدة منها، ومدى اتساقها مع القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.

 

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الرسمية عن تطوير الصناعة الدفاعية وتوسيع الشراكات، يرى الرافضون للتطبيع أن هذه المكاسب المعلنة لا تبرر استقبال شركات متهمة بدعم الانتهاكات.

 

وتكتسب الاحتجاجات المغربية أهمية خاصة لأنها ترفض تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد ملف دبلوماسي، وتطالب بربط أي تعاون عسكري بمسؤوليات الدول والشركات عن احترام حقوق الإنسان.

 

وهكذا تبدو مراكش ساحة مواجهة سياسية واضحة بين مسار رسمي يوسع الشراكات مع إسرائيل وحراك شعبي يطالب بوقف التطبيع العسكري وإنهاء العلاقات مع مؤسسات الاحتلال.

 

ويبقى السؤال الذي تطرحه الاحتجاجات أكثر حدة من الشعارات الرسمية: بأي منطق تُفتح المعارض أمام شركات السلاح الإسرائيلية بينما يطالب المواطنون بمحاسبتها ومنع تسويق منتجاتها؟

 

إن استقبال هذه الشركات وسط المظاهرات الرافضة لمشاركتها ليس مجرد خلاف حول معرض تجاري، بل يكشف أزمة سياسية وأخلاقية تتعلق بمدى استجابة القرار الرسمي لمطالب المعارضين للتطبيع.

 

وفي النهاية، تؤكد الهتافات المنطلقة من مراكش أن اتفاقيات الحكومات لا تكفي لإسكات الاعتراض الشعبي، وأن استضافة شركات السلاح الإسرائيلية ستظل قضية مواجهة ومساءلة لدى القوى المغربية الرافضة للتطبيع.