أعلنت وزارة النقل تطبيق خصم بنسبة 50% على تذكرة مونوريل شرق النيل خلال يومي الجمعة والسبت والإجازات الرسمية لمدة 3 أشهر تبدأ من الجمعة 15 مايو 2026، بهدف زيادة الإقبال على وسيلة نقل حديثة تعمل عبر 16 محطة بين المشير طنطاوي ومدينة العدالة.

 

وتضع الخطوة الحكومة أمام سؤال مباشر عن جدوى تسعير مشروع ضخم خارج قدرة شرائح واسعة من المواطنين، لأن الخصم المؤقت جاء بعد أيام من تشغيل الخدمة بأسعار وصلت إلى 80 جنيها، بينما لا تكفي الدعاية الرسمية وحدها لتحويل وسيلة باهظة إلى نقل جماعي حقيقي.

 

خصم مؤقت بعد أسعار مرتفعة منذ أول التشغيل

 

بحسب بيان وزارة النقل، يشمل الخصم ركاب المرحلة الأولى من مونوريل شرق النيل في عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الرسمية فقط، بينما تبقى أسعار الاشتراكات دون تغيير، وتستمر التخفيضات المعلنة لكبار السن وذوي الإعاقة ضمن محاولة لتقديم المنظومة كخدمة اقتصادية.

 

لكن القرار جاء بعد تطبيق شرائح سعرية أثارت انتقادات واسعة، إذ بلغت تذكرة 5 محطات 20 جنيها، و10 محطات 40 جنيها، و15 محطة 55 جنيها، بينما وصلت تذكرة أكثر من 15 محطة إلى 80 جنيها مع اكتمال تشغيل الخط.

 

وبذلك يصبح الخصم اعترافا عمليا بأن السعر الأصلي لم يكن جاذبا بما يكفي، لأن الحكومة لم تخفض التذكرة اليومية في أيام العمل التي يحتاجها الموظفون والطلاب، بل اختارت عطلات ترتبط غالبا بالزيارة والتجربة أكثر من التنقل المنتظم.

 

في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه لا يكفي احتياجات الأسرة المصرية، وأن الأسرة تحتاج إلى ما لا يقل عن 10000 جنيه شهريا، وهو تقدير يضع تذكرة المونوريل ضمن عبء يومي لا يناسب غالبية الدخول.

 

وعلى هذا الأساس، لا يواجه المونوريل أزمة حداثة أو راحة فقط، بل يواجه أزمة قدرة شرائية، لأن رحلة ذهاب وعودة بسعر كامل قد تصل إلى 160 جنيها، وهو رقم يقترب من تكلفة يوم عمل كامل لدى فئات واسعة من العمالة غير المنتظمة.

 

محطات حديثة بلا كثافة ركاب مستهدفة

 

وتؤكد وزارة النقل أن المرحلة الأولى تعمل عبر 16 محطة مجهزة، تبدأ من المشير طنطاوي وتمر بمحطات وان ناينتي والمستشفى الجوي والنرجس والمستثمرين واللوتس وجولدن سكوير وبيت الوطن ومسجد الفتاح العليم، قبل الوصول إلى مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية الجديدة.

 

غير أن انتشار المحطات على محور يخدم مناطق عمرانية جديدة لا يضمن وحده كثافة ركاب، لأن نجاح النقل الجماعي يرتبط بسعر الرحلة وسهولة الوصول للمحطة وتكاملها مع المترو والحافلات والميكروباص، وليس بمجرد وجود قطار كهربائي معلق.

 

ويقول الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، إن المرحلة الأولى تضم 16 محطة، وإن المشروع يعمل بالطاقة الكهربائية النظيفة، ويستطيع نقل نحو 600 ألف راكب يوميا عند اكتمال التشغيل والتكامل مع باقي عناصر المنظومة.

 

لذلك تتحول الطاقة الاستيعابية المعلنة إلى رقم بلا قيمة إذا لم تستطع الحكومة ملء العربات فعليا، لأن نقل 600 ألف راكب يوميا يتطلب سياسة تسعير يومية لا موسمية، وربطا فعالا بالمترو والقطار الكهربائي الخفيف وخطوط النقل المغذية للأحياء.

 

كما تكشف فترة التشغيل من 6 صباحا حتى 6 مساء عن محدودية في خدمة فئات تعمل بنظام الورديات أو تعود من العاصمة الإدارية مساء، وهي فجوة تجعل المشروع أقرب إلى مسار عمل محدود لا وسيلة نقل ممتدة تخدم حركة المدينة طوال اليوم.

 

مشروع ضخم وتخفيضات موسمية لتجميل معادلة خاطئة

 

وروجت الحكومة للمونوريل باعتباره نقلة حضارية داخل منظومة النقل الجماعي، وربطته بتقليل الضغط المروري وتوفير الوقت والجهد، لكن التخفيض السريع بعد بدء التشغيل يطرح مؤشرا معاكسا، وهو أن الوسيلة الجديدة لم تحقق بعد الكثافة التي تبرر خطاب الإنجاز الرسمي.

 

ويشير اللواء عصام والي، الرئيس السابق للهيئة القومية للأنفاق، إلى أن المونوريل وسيلة كهربائية حديثة تسير دون سائق وبسرعات تصل إلى 90 كيلومترا في الساعة، وتدخل ضمن مشروعات ربط المدن الجديدة بالقاهرة الكبرى عبر أنظمة جر كهربائي متطورة.

 

رغم ذلك، لا تحل التكنولوجيا مشكلة العدالة في النقل إذا بقي السعر فوق قدرة المستخدم اليومي، لأن المواطن لا يختار الوسيلة الأحدث بل يختار الوسيلة التي توصله بسعر يمكن تكراره 20 مرة شهريا دون أن يقتطع جزءا قاسيا من دخله.

 

ومن ثم، تبدو التخفيضات الموسمية محاولة لتجميل معادلة خاطئة، لأن الحكومة بنت مشروعا مرتفع التكلفة ثم اكتشفت أن جذب الركاب يحتاج إلى سعر أقل، لكنها اختارت خفضا محدود الأيام بدلا من مراجعة شاملة لتعريفة الخدمة وأهدافها الاجتماعية.

 

وتتجاهل هذه السياسة أن النقل الجماعي ليس معرضا لتجربة العاصمة الإدارية في عطلة، بل خدمة يومية تقاس بعدد المستخدمين المنتظمين وقدرتها على تخفيف المواصلات التقليدية، فإذا ظل الركاب خارج المنظومة بسبب السعر، فلن ينجح المشروع مهما كانت عرباته حديثة.

 

وتنتهي أزمة مونوريل شرق النيل عند نقطة واضحة، فالحكومة لا تحتاج إلى خصم دعائي لمدة 3 أشهر بقدر حاجتها إلى تسعير عادل ومتكامل مع دخل المواطنين ومساراتهم اليومية، لأن مشروع النقل الذي يطارد الركاب بالعروض يكشف أن الخلل بدأ من قرار التسعير لا من وعي الناس.