فجّرت منظومة التقاضي عن بُعد موجة اعتراضات داخل نقابة المحامين، بعدما ارتبط إطلاق الخدمات الرقمية برسوم جديدة اعتبرها محامون عبئًا إضافيًا يطال حق الدفاع ويحمّل أصحاب المهنة تكاليف لم يسبق الاتفاق عليها.
وتحوّلت الخلافات من نقاش حول تحديث المحاكم إلى مواجهة قانونية ونقابية بشأن مشروعية الرسوم وجاهزية البنية الرقمية والضمانات الإجرائية، بينما تؤكد وزارة العدل أن استخدام الخدمات الإلكترونية اختياري ولا يلغي المسارات التقليدية.
رسوم جديدة تشعل المواجهة
حددت المنصة رسومًا تشمل خمسمائة جنيه للاشتراك السنوي، وخمسمائة جنيه لحضور جلسة جنايات عن بُعد، ومائة جنيه لتجديد الحبس، إلى جانب رسوم لتصوير الأوراق والرسائل النصية المرتبطة بالقرارات.
ويرى معترضون أن هذه الرسوم لا تمثل مجرد تكلفة تقنية، بل تنقل جزءًا من كلفة تشغيل المرفق القضائي إلى المحامي والمتقاضي، في وقت يفترضون فيه أن الرقمنة تخفف الأعباء ولا تضيف مسارًا ماليًا جديدًا.
وقال عمرو الخشاب، المحامي بالنقض وعضو مجلس النقابة العامة للمحامين، إن النقابة لم تطلب هذه الرسوم ولم توافق عليها، معتبرًا أن فرضها بهذه الصورة يضع المحامي أمام قرارات جاهزة دون مشاركة مهنية كافية.
وأضاف الخشاب أن التقاضي مرفق خدمي وليس استثماريًا، وأن المحامي يمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة العدالة، منتقدًا ما وصفه بفرض إجراءات ورسوم قبل استكمال الدراسة والتجربة والتأهيل المطلوبين للمستخدمين.
وفي الاتجاه نفسه، قال محمد هيبة، عضو مجلس النقابة العامة للمحامين، إن الرسوم ستنتقل في النهاية إلى المواطن، مؤكدًا أن فرض أي رسم يجب أن يستند إلى سند قانوني واضح ومحدد.
وتجاوز الاعتراض حدود التصريحات بعدما أقام محامون دعوى أمام القضاء الإداري للطعن على الرسوم، مطالبين بإلغائها، على أساس أن فرض رسوم قضائية أو مرتبطة بالخدمة العامة يجب أن يتحرك داخل الحدود التي يقررها القانون.
ووصل الجدل إلى البرلمان، بعدما أثار النائب ياسر الهضيبي تساؤلات بشأن السند القانوني للرسوم، في مؤشر على انتقال الأزمة من خلاف مهني داخل المحاماة إلى نقاش أوسع حول مشروعية القرارات المنظمة للمنصة.
وفي المقابل، تقول وزارة العدل إن الحضور عن بُعد خدمة اختيارية، وإن المحامي يستطيع الاستمرار في الإجراءات التقليدية، كما تبرر المنصة بأنها توفر الوقت والانتقال وتسمح بالاطلاع الإلكتروني على ملفات القضايا.
لكن عضو مجلس النقابة السيد جابر مكي قدّم قراءة مختلفة عن المعترضين، معتبرًا أن بعض الرسوم يمكن مقارنتها بتكاليف الانتقال والوقت والجهد، وهو ما يكشف استمرار الانقسام داخل الوسط النقابي نفسه.
بنية رقمية تحت الاختبار
وحذّر عمرو محي الدين، المحامي بالنقض ونقيب محامين شمال القاهرة، من تشغيل منظومة حساسة دون إدارة أزمات حقيقية تراعي تفاوت جودة الإنترنت بين المكاتب والمقار، وما قد يترتب على الانقطاع التقني.
ويرى محي الدين أن المشكلة لا تتوقف عند شاشة أو اتصال، لأن تعطل الجلسة الرقمية يمكن أن يثير أسئلة مباشرة حول إثبات الحضور والغياب ومواعيد الإجراءات ومسؤولية الأطراف عند وقوع عطل خارج إرادتهم.
وتكشف هذه المخاوف فجوة بين هدف الرقمنة النظري وقدرة التطبيق اليومية، إذ إن نجاح التقاضي الإلكتروني لا يقاس بإطلاق منصة فقط، وإنما باستقرار الشبكات وسهولة الاستخدام وقدرة المحامين والمتقاضين على الوصول المتكافئ للخدمة.
وتزداد الحساسية في القضايا الجنائية، لأن التواصل المباشر بين المحامي وموكله وهيئة المحكمة يرتبط بحقوق الدفاع وتقدير المواقف داخل الجلسة، وهي عناصر يخشى معارضو المنظومة أن تتأثر بالأعطال أو الوسيط التقني.
وقال الخشاب إن المواد الجنائية تحديدًا تحتاج تعاملًا شديد الحذر، منتقدًا إدخال وسائل تكنولوجية لم تُختبر بما يكفي من وجهة نظره، ومعتبرًا أن المحامين لا يرفضون التطور وإنما يرفضون الغموض في التنفيذ.
وتقول وزارة العدل إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد أجاز استخدام وسائل الاتصال الحديثة في التحقيق والمحاكمة عن بُعد، وإن المنصة تستهدف توفير بديل عملي عندما يتعذر الحضور المباشر أو يصبح مكلفًا.
غير أن الخلاف الحقيقي يدور حول معيار الجاهزية، فوجود سند يسمح بالتقاضي عن بُعد لا يحسم وحده مشكلات الاتصال أو الأعطال أو التدريب، ولا يجيب تلقائيًا عن كيفية حماية حق الدفاع عند فشل التقنية.
ويزداد اعتراض محي الدين حدة مع تأكيده أن ما بين 80 و90 بالمائة من المحامين، وفق تقديره، يواجهون أوضاعًا مادية صعبة، ما يجعل الرسوم الجديدة بالنسبة إليهم عبئًا مهنيًا ومعيشيًا إضافيًا.
وتضع تلك الصورة الحكومة أمام انتقادات ترى أن إطلاق التحول الرقمي قبل حسم مشكلات البنية والتدريب والتكاليف قد يحول أداة يفترض أن تختصر الإجراءات إلى مصدر جديد للتعقيد والضغط على المحامين.
ثغرات تشريعية تهدد الإجراءات
ويضع عمرو محي الدين البعد التشريعي في قلب الأزمة، إذ يعتبر أن تنظيم المسألة عبر قانون الإجراءات الجنائية وحده لا يكفي، مطالبًا بتعديل أشمل لقانون المرافعات باعتباره الإطار العام للإجراءات القضائية.
ويطرح هذا الاعتراض أسئلة حول الأثر القانوني لانقطاع الاتصال أثناء الجلسة، وما إذا كان الغياب التقني يعامل كغياب عادي، وكيف يثبت المحامي وقوع عطل، ومن يتحمل مسؤولية ضياع إجراء أو ميعاد.
كما يثير تطبيق التقاضي الرقمي ملف سرية التواصل بين المحامي وموكله وضمان عدم تأثر الدفاع بقيود تقنية، خاصة في القضايا الجنائية التي تتطلب أحيانًا تشاورًا سريعًا ومباشرًا خلال الجلسات والتحقيقات.
ويعتبر الخشاب أن المحامين جرى وضعهم أمام منظومة مبهمة التنفيذ، ويطالب بأن تسبق أي توسعات اختبارات فنية وتشريعية حقيقية، مع إشراك النقابة والمتخصصين قبل تحويل التجربة الرقمية إلى جزء ثابت من العمل القضائي.
وتتعاظم الأزمة لأن الاعتراض لا يقتصر على قيمة خمسمائة جنيه أو مائة جنيه، بل يمتد إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بحق السلطة التنفيذية في تحديد رسوم تمس إجراءات التقاضي دون سند تشريعي يعتبره المعترضون كافيًا.
ولهذا اتجه محامون إلى القضاء الإداري، معتبرين أن النزاع لم يعد خلافًا حول تسعير خدمة إلكترونية، وإنما اختبارًا لحدود السلطة في فرض أعباء مالية مرتبطة بممارسة حق التقاضي والدفاع.
ويرى محي الدين أن الأعباء المالية تضيف طبقة أخرى للأزمة، مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من المحامين تعمل بدخول يومية محدودة، ولذلك فإن رسوم الاشتراك والحضور والخدمات قد تتحول إلى ضغط مهني مباشر.
وتكتسب هذه الانتقادات وزنًا إضافيًا مع اقتراب بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد في أول أكتوبر، بينما ما زالت الرسوم نفسها محل طعن قضائي واعتراض نقابي وتساؤلات برلمانية حول سندها القانوني.
وفي المقابل، تتمسك الحكومة بأن التحول الرقمي يستهدف تسريع الإجراءات وتوفير الوقت والجهد، لكن معارضي الصيغة الحالية يقولون إن الرقمنة لا تصبح إصلاحًا بمجرد نقل الإجراءات إلى شاشة إذا بقيت التكلفة والضمانات موضع نزاع.
وتكشف الأزمة أن الخلاف لم يعد حول قبول التكنولوجيا أو رفضها، بل حول من يضع قواعدها ومن يدفع تكلفتها ومن يتحمل نتائج فشلها، وهي أسئلة تجعل التقاضي عن بُعد اختبارًا حقيقيًا لسياسة العدالة الرقمية.

