كشفت وزارة التموين أمام لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب عن استمرار فرز المستبعدين من منظومة الدعم، وسط تقديرات باستبعاد نحو 10 ملايين مواطن، بينما فجّر غياب الوزير شريف فاروق أزمة رقابية وسياسية واسعة.

 

وبالتالي، لا تبدو القضية مجرد تنقية بطاقات أو تحديث قواعد بيانات، بل قرار يمس خبز ملايين الأسر، بينما تختبئ الحكومة خلف لغة العدالة الرقمية وتترك المواطن وحيدا أمام خوف الحذف والجوع.

 

كما أن الحديث عن الدعم النقدي يأتي في لحظة غلاء خانقة، يصبح فيها حذف فرد من بطاقة التموين عقوبة معيشية قاسية، لا إجراء إداريا محايدا كما تحاول الحكومة تصويره للرأي العام.

 

لذلك، يتحول غياب الوزير عن جلسة تمس نحو 70 مليون مواطن إلى رسالة استهانة سياسية، كأن ملف الخبز والسلع لا يستحق حضور المسؤول الأول أمام البرلمان.

 

ومن ثم، تفتح الأزمة 3 ملفات متداخلة: معايير الحذف الغامضة، والتحول إلى الدعم النقدي، وغياب المساءلة البرلمانية في قضية ترتبط بالأمن الغذائي للفقراء والطبقات المطحونة.

 

معايير رفاهية أم بوابة لحذف واسع

 

غير أن مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية محمد شتا قال إن الوزارة تعتمد على مؤشرات للدخل والقدرة المالية، مثل السكن في الكومباوندات، وامتلاك سيارات مرتفعة القيمة، ومدارس دولية.

 

علاوة على ذلك، أشار شتا إلى حالات تمتلك سيارات فارهة بينها لامبورجيني، في محاولة لتسويق التنقية بوصفها مواجهة للأغنياء، لا مساسا بالفقراء أو محدودي الدخل.

 

بناء على ذلك، تبدو الأمثلة البراقة عن السيارات الفارهة أداة دعائية أكثر من كونها سياسة عامة، لأن السؤال الحقيقي يتعلق بمن سيضمن ألا تتحول الخوارزميات إلى مقصلة للفقراء.

 

في المقابل، تقول الحكومة إنها تستخدم قواعد بيانات وبحوث الدخل والإنفاق لتحديد خط الفقر، لكنها لم تعلن حتى الآن قائمة تفصيلية قابلة للطعن العادل أمام المواطنين.

 

ثم إن تقديرات استبعاد 10 ملايين مواطن، إذا صحت، تعني أن التنقية ليست محدودة، بل عملية واسعة ستعيد رسم خريطة الدعم من 68 مليون مستفيد إلى نحو 58 مليون.

 

كذلك، يرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن مشكلات الدعم في مصر ارتبطت طويلا بسوء الإدارة والفساد وضعف الاستهداف، لا بتحميل الفقراء فاتورة عجز الدولة عن الرقابة.

 

وفوق ذلك، فإن الحديث عن العدالة يصبح ناقصا حين لا تعلن الحكومة آلية تظلم واضحة وسريعة، لأن المواطن المحذوف لا يستطيع أكل الوعود ولا انتظار شهور لإثبات فقره.

 

الدعم النقدي وخطر تآكل الخبز

 

من ناحية أخرى، يطرح التحول إلى الدعم النقدي سؤالا أخطر من الحذف نفسه، لأن قيمة الدعم قد تتآكل مع التضخم إذا لم ترتبط تلقائيا بأسعار الخبز والسلع الأساسية.

 

غير أن تصريحات متداولة عن منظومة الخبز تشير إلى رغيف وزنه 70 جراما بسعر 150 قرشا داخل النظام الجديد، وهو تغيير يمس أكثر سلعة حساسية في حياة المصريين.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تحويل الدعم من عيني إلى نقدي قد يبدو أكثر كفاءة على الورق، لكنه في بلد يعاني التضخم يمكن أن يتحول إلى تخفيض مقنع لقيمة ما يحصل عليه المواطن.

 

كما أن الخبز ليس مجرد بند تمويني، بل خط دفاع اجتماعي أخير، وأي تلاعب في وزنه أو سعره أو آلية صرفه يفتح الباب لغضب واسع داخل البيوت الفقيرة.

 

لزيادة وضوح الصورة، يحذر خبراء اقتصاد اجتماعي من أن الدعم النقدي يحتاج تحديثا دوريا لقيمته وربطه بالأسعار، وإلا أصبح مبلغا ثابتا يتآكل شهرا بعد شهر.

 

لذلك، ترى الدكتورة عالية المهدي أن إصلاح الدعم يجب أن يرتبط بشبكة حماية اجتماعية قوية، وبيانات دقيقة، وقدرة على تعويض المتضررين، لا بمجرد إعلان التحول من السلع إلى النقد.

 

ومن ثم، فإن التجربة المصرية لا تحتمل مغامرة غير محسوبة، لأن الفقر لم يعد هامشا صغيرا، والأسرة التي تعتمد على البطاقة التموينية لن تصمد أمام أخطاء قاعدة بيانات أو قرار مفاجئ.

 

غياب الوزير وغياب المساءلة

 

في السياق نفسه، فجّر غياب وزير التموين عن اجتماع اللجنة الاقتصادية أزمة جديدة، بعدما رفض النائب فريدي البياضي مناقشة طلب الإحاطة في غياب المسؤول السياسي الأول عن الملف.

 

على الجانب الآخر، قال البياضي إن طلبا يمس حياة نحو 70 مليون مواطن يستوجب حضور الوزير، بل ورئيس الوزراء، لأن القضية ليست تفصيلا فنيا يمكن لمعاونين الرد عليه.

 

علاوة على ذلك، فإن اكتفاء الحكومة بمساعدي الوزير يعكس نمطا متكررا في إدارة الملفات الحساسة، حيث تحضر البيروقراطية وتغيب المسؤولية السياسية، ثم يطلب من المواطن الثقة والصمت.

 

بناء على ذلك، يصبح تأجيل المناقشة لحين حضور الوزير خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها ما لم يتحول البرلمان إلى مساحة محاسبة حقيقية لا جلسات شكلية.

 

غير أن فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة سابقا، دافع في نقاشات اقتصادية عن الدعم النقدي المشروط بالاستهداف الجيد، لكنه ربط نجاحه بضبط التضخم وحماية القوة الشرائية.

 

كما أن هذا الشرط يكشف جوهر الخطر، فإذا كانت الحكومة عاجزة عن كبح الأسعار، فكيف تضمن أن مبلغ الدعم النقدي سيحافظ على رغيف الأسرة وسلعها الأساسية.

 

وبالتالي، فإن الأزمة ليست في حذف أصحاب اللامبورجيني من التموين، بل في احتمال حذف آلاف الأسر الهشة تحت عنوان العدالة، بينما يغيب الوزير عن مواجهة أسئلة النواب والرأي العام.

 

وفي النهاية، فإن الدعم النقدي قد يكون إصلاحا إذا جاء بشفافية وعدالة وربط بالأسعار، لكنه يصبح كارثة إذا تحول إلى باب حذف واسع للفقراء وسط غلاء وغياب مساءلة.