يدخل اليمن مرحلة جديدة من التصعيد العسكري بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة إبريل 2022، مع اتساع المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين وعودة الغارات الجوية إلى واجهة المشهد.

 

يتسع نطاق القتال من تعز ولحج إلى الحديدة والجوف ومأرب، بينما تتداخل التحركات البرية مع الهجمات الجوية والطائرات المسيّرة، بما يعيد رسم خريطة السيطرة ويضع المناطق المحيطة بباب المندب تحت ضغط متزايد.

 

 

تعز تعود إلى واجهة القتال

 

أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم في جبهات بمحافظة تعز، وقالت إنها استعادت مواقع في جبل الشهداء المطل على وادي الغيل بمديرية الوازعية، بعد مواجهات مع الحوثيين خلال الساعات الماضية.

 

وأفادت مصادر حكومية بأن قوات الجيش والمقاومة تقدمت كذلك في جبهة الأغبرة بين الوازعية والصبيحة، واستعادت جبل البازلة ومنطقة مدخولة، في تحرك يستهدف تقليص الضغط الحوثي على المناطق الجنوبية الغربية.

 

وتحمل هذه التحركات أهمية ميدانية لارتباطها بممرات تصل تعز بلحج والساحل الغربي، وهي مناطق باتت خلال الأسابيع الأخيرة جزءاً رئيسياً من مسرح المواجهة بين الطرفين المتحاربين.

 

وتشير تقارير ميدانية متقاطعة إلى أن القتال في الوازعية لم يحسم السيطرة الكاملة على المديرية، وأن التقدم الحكومي ما زال موضع اختبار أمام محاولات الحوثيين تثبيت مواقعهم والاحتفاظ بخطوط الإمداد.

 

ويأتي التحرك الحكومي بعد مكاسب حققها الحوثيون خلال موجة التصعيد الحالية على الساحل الغربي، ما دفع القوات المناوئة لهم إلى إعادة توزيع وحداتها وتعزيز الجبهات القريبة من باب المندب.

 

ويعكس انتشار المعارك بين تعز والجوف ومأرب والحديدة اتساع المواجهة مقارنة بفترات التهدئة السابقة، إذ لم تعد العمليات محصورة في جبهة واحدة بل باتت تمتد عبر محاور متباعدة ومتزامنة.

 

وأعلنت القوات الحكومية كذلك إسقاط طائرة مسيّرة حوثية في الجوف، في وقت تتكرر فيه استخدامات الطائرات غير المأهولة من الطرفين، سواء للاستطلاع أو الاستهداف المباشر في الجبهات المفتوحة.

 

وتكشف طبيعة العمليات الحالية اعتماداً متزايداً على الضربات الدقيقة والطائرات المسيّرة والمدفعية، وهو تحول يرفع سرعة تبدل المواقف الميدانية ويزيد المخاطر على التجمعات السكانية الواقعة قرب خطوط الاشتباك.

 

وتظل تعز إحدى أكثر المحافظات حساسية بسبب موقعها واتصالها بالساحل الغربي ولحج، ولذلك فإن أي تغير في السيطرة داخلها يمكن أن ينعكس على طرق الإمداد والحركة باتجاه باب المندب.

 

 

الغارات توسع دائرة المواجهة الإقليمية

 

في المقابل قال الحوثيون إن الطيران السعودي نفذ 26 غارة خلال أربع وعشرين ساعة على مناطق في تعز، وإن عدد الغارات خلال أسبوع بلغ نحو 300 ضربة في محافظات عدة.

 

ونسب المتحدث العسكري للحوثيين تلك الغارات إلى مقاتلات من طراز إف 15 وطائرات أخرى انطلقت من قواعد داخل السعودية، وهي رواية لم يصدر بشأن تفاصيلها تأكيد سعودي شامل حتى الآن.

 

وتشمل المحافظات التي قال الحوثيون إنها تعرضت للقصف تعز وحجة ومأرب والجوف والبيضاء وعمران ولحج والحديدة وصعدة، ما يعكس وفق روايتهم اتساع نطاق العمليات الجوية بالتزامن مع المعارك البرية.

 

وأفادت تقارير من صنعاء بتحليق طائرات مسيّرة فوق العاصمة فجر الجمعة ومحاولة الحوثيين إسقاطها، فيما سمع سكان أصوات نيران مضادة للطائرات وانفجارات في عدد من الأحياء.

 

ويأتي ذلك مع استمرار هجمات حوثية باتجاه السعودية وتهديدات مرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر، وهي تطورات دفعت مجلس الأمن إلى تكرار إدانته للهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية والملاحة التجارية.

 

وشدد المجلس على ضرورة وقف التصعيد وحماية السفن وطواقمها واحترام قواعد القانون الدولي، في وقت تتزايد المخاوف من أن يؤدي اتساع القتال إلى تهديد حركة التجارة عبر باب المندب.

 

ويمنح موقع باب المندب للصراع بعداً يتجاوز الداخل اليمني، فالمضيق يمثل ممراً أساسياً للتجارة والطاقة، وأي اضطراب طويل فيه يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.

 

كما يعقد البعد الإقليمي فرص العودة السريعة إلى التهدئة، لأن العمليات العسكرية لم تعد مرتبطة بتوازنات الداخل وحده، بل أصبحت متشابكة مع أمن السعودية والبحر الأحمر وحركة السفن ومصالح قوى خارجية.

 

ويزيد استمرار تبادل الهجمات من احتمالات توسيع دائرة الردود المتبادلة، خصوصاً مع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والغارات الجوية، وهو ما يجعل أي خطأ في التقدير قابلاً للتحول إلى تصعيد أوسع.

 

 

النزوح يفاقم الكارثة الإنسانية المتصاعدة

 

يدفع المدنيون الكلفة الأكبر من اتساع الحرب، إذ سجلت أحدث بيانات تتبع النزوح أكثر من 114 ألف نازح بين الأول والسابع عشر من سبتمبر، معظمهم من مناطق الساحل الغربي وتعز ولحج.

 

وأظهرت البيانات أن تعز استقبلت النسبة الأكبر من النازحين، تلتها لحج ثم الحديدة وعدن وأبين، فيما ارتفع العدد التراكمي منذ بدء موجة التصعيد في يونيو إلى أكثر من 118 ألفاً.

 

وتوضح الأرقام أن الحركة السكانية تتسارع بالتزامن مع تبدل خطوط القتال، حيث تفر عائلات كاملة من القصف والاشتباكات إلى مناطق تعاني أصلاً ضعف الخدمات وارتفاع الأسعار ونقص فرص العمل.

 

ويواجه النازحون احتياجات عاجلة إلى الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية، بينما تحذر الجهات الإنسانية من أن قدراتها التشغيلية والمخزونات المتاحة تقترب من حدودها القصوى مع استمرار تدفق الأسر الجديدة.

 

وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وهو رقم يعكس اتساع الأزمة في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام وتدهور الاقتصاد والخدمات العامة.

 

كما وثقت الأمم المتحدة 110 ضحايا خلال التصعيد الأخير، بينهم 28 قتيلاً، مع الإشارة إلى أن الأعداد الفعلية قد تكون أعلى بسبب صعوبة الوصول وتراجع تدفق المعلومات من مناطق القتال.

 

وتفاقم المواجهات الضغط على القطاع الصحي في المناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين، بينما تتزايد الحاجة إلى الأدوية والمستلزمات والرعاية العاجلة مع توسع رقعة المعارك واستمرار حركة النزوح.

 

وتضيف الاتهامات المتبادلة بشأن تعطيل المنشآت الصحية والإغاثية بعداً جديداً للأزمة، بينما يواجه العمل الإنساني قيوداً أمنية وإدارية متزايدة تهدد قدرة المنظمات على الوصول المنتظم إلى ملايين المحتاجين.

 

ويعيد هذا التصعيد اليمن إلى مشهد الحرب المفتوحة بعد أربع سنوات من الانخفاض النسبي في مستوى القتال، ويجعل المدنيين مرة أخرى أمام نزوح واسع وخدمات منهكة ومخاطر أمنية تتسع يومياً.

 

ويظل مسار الأزمة مرتبطاً بقدرة الأطراف على وقف التوسع العسكري والعودة إلى مسار تفاوضي، لأن استمرار القتال حول تعز والساحل وباب المندب يهدد بموجة نزوح أكبر وأزمة إنسانية أشد.