في وقت تتزايد فيه المؤشرات على استعداد الجيش الإسرائيلي لعودة العمليات العسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة، تبرز تساؤلات حول الدوافع السياسية والاستراتيجية التي قد تقف وراء هذا التوجه، خاصة بعد التطورات الأخيرة في الساحتين الإيرانية واللبنانية.

وتأتي هذه التقديرات بالتزامن مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن استعدادات عسكرية جديدة، وسط اعتقاد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن حركة حماس تمكنت من إعادة ترميم جزء من قدراتها خلال فترات التهدئة.

 

ويرى مراقبون أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو قد تجد في التصعيد داخل غزة فرصة لتعويض ما يعتبره بعض المحللين تراجعاً في المكاسب السياسية والإقليمية، أو محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني بما يخدم أهدافها الداخلية والخارجية.

 

 

التصعيد في غزة.. تعويض سياسي أم ضرورة عسكرية؟

 

بحسب تقديرات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، فإن المؤسسة العسكرية تعتقد أن أي مواجهة جديدة ستتطلب التوغل في مناطق لم تدخلها القوات الإسرائيلية بشكل كامل خلال مراحل الحرب السابقة. ويعكس هذا التوجه قناعة لدى بعض القادة العسكريين بأن الأهداف المعلنة للحرب لم تتحقق بصورة نهائية.

 

المحلل السياسي ياسر الزعاترة يرى أن إسرائيل ما زالت تواجه أزمة استراتيجية تتعلق بعدم قدرتها على حسم الصراع مع المقاومة الفلسطينية رغم أشهر طويلة من العمليات العسكرية. ويؤكد أن أي تصعيد جديد في غزة قد يكون مرتبطاً بمحاولة استعادة صورة الردع التي تعرضت للاهتزاز خلال المرحلة الماضية، أكثر من كونه مرتبطاً بتحقيق أهداف عسكرية جديدة.

 

ويشير الزعاترة إلى أن القيادة الإسرائيلية تدرك أن استمرار بقاء حماس كقوة فاعلة في القطاع يمثل تحدياً للرواية التي قدمتها الحكومة الإسرائيلية منذ بداية الحرب، ما قد يدفعها للبحث عن جولة جديدة من العمليات العسكرية لإظهار قدرتها على فرض الوقائع الميدانية.

 

 

تداعيات لبنان وإيران على الحسابات الإسرائيلية

 

من جانبه، يرى الإعلامي والمحلل التونسي نظام المهداوي أن المشهد الإقليمي لا يمكن فصله عن الحسابات المتعلقة بغزة. ويعتبر أن إسرائيل تسعى دائماً إلى توظيف المتغيرات الإقليمية بما يخدم أهدافها السياسية والعسكرية، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها حكومة نتنياهو داخلياً وخارجياً.

 

ويقول المهداوي إن تراجع زخم المواجهة في الجبهات الأخرى، سواء في لبنان أو في الساحة المرتبطة بإيران، قد يدفع المؤسسة الإسرائيلية إلى إعادة تركيز جهودها العسكرية على قطاع غزة باعتباره الساحة الأكثر قدرة على تحقيق مكاسب سياسية سريعة أمام الرأي العام الإسرائيلي.

 

كما يلفت إلى أن الحكومة الإسرائيلية تواجه انتقادات متواصلة بشأن نتائج الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية، وهو ما يجعل أي تحرك عسكري جديد خاضعاً أيضاً لحسابات سياسية داخلية تتعلق بمستقبل الائتلاف الحاكم واستمرار نتنياهو في السلطة.

 

 

خبراء فلسطينيون: المخاطر كبيرة وفرص النجاح محدودة

 

أما الباحث والمحلل السياسي الفلسطيني هاني المصري فيرى أن الحديث عن عملية واسعة جديدة في غزة لا يعني بالضرورة قدرة إسرائيل على تحقيق نتائج مختلفة عن تلك التي حققتها خلال الأشهر الماضية.

 

ويؤكد المصري أن أي تصعيد جديد سيواجه تحديات كبيرة، أبرزها الطبيعة المعقدة للقطاع، واستمرار قدرة الفصائل الفلسطينية على التكيف مع الظروف الميدانية. كما أن اتساع العمليات العسكرية قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل في ظل الانتقادات المتصاعدة للأوضاع الإنسانية في غزة.

 

ويحذر من أن العودة إلى حرب شاملة قد تحمل مخاطر سياسية وأمنية كبيرة على إسرائيل نفسها، خاصة إذا لم تتمكن من تحقيق أهداف واضحة وقابلة للقياس. ويرى أن استمرار الصراع دون أفق سياسي قد يفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.

 

وفي المحصلة، يعتقد خبراء ومحللون أن احتمالات التصعيد الإسرائيلي في غزة تبقى قائمة في ضوء التقديرات العسكرية المتداولة داخل إسرائيل، إلا أن نجاح أي عملية جديدة سيظل مرهوناً بقدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق أهداف لم يتمكن من إنجازها خلال الجولات السابقة. وبين اعتبارات الأمن والحسابات السياسية، تبدو غزة مرشحة للبقاء في قلب المشهد الإقليمي خلال المرحلة المقبلة، وسط مخاوف متزايدة من عودة المواجهات واسعة النطاق وما قد تخلّفه من تداعيات إنسانية وأمنية على المنطقة.