كشفت صانعة المحتوى فرح هريدي، عن واقعة داخل إحدى رحلات مصر للطيران، قالت فيها إن جزءًا من السقف الداخلي للطائرة سقط على راكب نائم، ثم تحولت محاولتها لتوثيق المشهد إلى مشادة انتهت بحذف الصور.
وتضع الواقعة شركة مملوكة للدولة أمام سؤال مباشر عن سلامة الركاب وحقهم في الشكوى، لأن التعامل مع التصوير كتهديد أكبر من سقوط جزء داخل المقصورة يعكس إدارة تخاف من الصورة أكثر من الخلل.
من سقوط السقف إلى مطاردة الصورة
في البداية، قالت فرح هريدي إنها كانت عائدة وحدها على متن إحدى رحلات مصر للطيران، وكانت توثق بعض تفاصيل السفر لأصدقائها، قبل أن تفاجأ بسقوط جزء من السقف الداخلي للطائرة على راكب أثناء نومه.
بعد ذلك، تعامل طاقم الطائرة مع الجزء المتضرر وأصلحه داخل المقصورة، بحسب رواية فرح، لكنها صورت موضع السقوط بعد الواقعة، لأن ما حدث داخل رحلة جوية يستحق التوثيق لا الإخفاء.
ثم فوجئت فرح، وفق روايتها، بتوجه أحد أفراد الطاقم إليها وسؤالها عن التصوير، قبل أن يتجمع حولها عدد من العاملين داخل الطائرة، ويطالبوها بحذف ما صورته من هاتفها.
وبحسب ما قالته في الفيديو المتداول، لم يتوقف الطلب عند حذف الصورة من الاستوديو، بل امتد إلى حذفها من المحذوفات، في تصرف جعل الراكبة تشعر بالخوف والارتعاش داخل مساحة مغلقة.
كما أكدت فرح أنها طلبت التعامل معها بأسلوب أكثر احترامًا، لأن الحديث معها تم بطريقة غير لائقة، بينما ظل التركيز على منع الصورة بدل تقديم تفسير واضح عن سبب سقوط الجزء الداخلي.
من جانبه، يرى خبير سلامة الطيران الأمريكي جون جوجليا أن غياب الحوادث لا يعني بالضرورة أن النظام آمن كما يجب، وهو رأي يضع واقعة السقف داخل سياق صيانة وفحص لا علاقات عامة.
لذلك، لا تكفي عبارة الشركة عن فتح تحقيق، لأن سقوط جزء من سقف داخلي داخل طائرة يحمل سؤالًا فنيًا محددًا عن الفحص قبل الرحلة، وعن حالة مكونات المقصورة ومسؤولية الصيانة.
وعلى هذا الأساس، يصبح تصوير الراكبة دليلًا أوليًا على واقعة تستدعي حفظ البيانات والصور، لا محوها، لأن أي تحقيق جاد يبدأ من جمع الشواهد لا من تنظيف هواتف الركاب.
بين حق الراكب وسطوة الطاقم
في رواية فرح، تحول اعتراضها على طريقة التعامل إلى مشادة داخل الطائرة، ثم عاد أحد أفراد الطاقم وسألها إن كانت صانعة محتوى، قبل أن يوضح لها أن التصوير غير مسموح داخل الطائرة.
غير أن هذا التفسير جاء بعد حذف الصور، بحسب ما نشر، ما جعل الحديث عن قواعد التصوير أقرب إلى تبرير لاحق، خصوصًا أن الواقعة الأصلية تتعلق بسقوط جسم داخلي داخل المقصورة.
كذلك، أشارت فرح إلى أن أحد أفراد الطاقم عرض اعتذارًا بطريقة غير مباشرة، لكنها طالبت باعتذار رسمي من الشخص الذي تعامل معها، لأن الاعتذار لا يكتمل إذا تجاهل صاحب الفعل المباشر.
وبينما تملك أطقم الطائرات سلطات ضرورية لحفظ الأمن والسلامة أثناء الرحلة، فإن هذه السلطات لا تمنح أحدًا حق ترهيب راكب أو محاصرة هاتفه، خصوصًا عندما يرتبط التصوير بخلل ظاهر.
في هذا الإطار، يشير خبير أمن الطيران فيليب باوم إلى أن الطيران المدني يعتمد على تقييم السلوك والمخاطر داخل بيئة حساسة، لكن هذا المنطق لا يبرر الخلط بين الأمن واحتواء الشكاوى.
وبناء على ذلك، كان المسار المهني الواضح يقتضي تسجيل شكوى الراكبة وحفظ رقم الرحلة وموضع السقوط، ثم إبلاغها بإجراءات السلامة، بدل دفعها لحذف الصورة تحت ضغط مجموعة من العاملين.
من ناحية أخرى، تدافع شركات طيران كثيرة عن قيود التصوير لحماية خصوصية الركاب والطاقم، لكن تطبيق هذا المبدأ يصبح مشكوكًا فيه عندما يستخدم لحجب دليل على واقعة داخلية تمس السلامة.
ولهذا، تبرز خطورة الواقعة في أن الراكبة لم تكن تصور وجوه ركاب لأغراض شخصية، بحسب روايتها، بل وثقت موضع سقوط جزء داخل الطائرة، وهذا يختلف عن التصوير العشوائي داخل المقصورة.
تحقيق بلا تفاصيل ومؤسسة تخاف من الفضيحة
أعلنت مصر للطيران في بيان رسمي أن الجهات المختصة داخل الشركة باشرت التحقيق في ملابسات الشكوى، وأكدت أنها ستتخذ الإجراءات النظامية المناسبة إذا ثبت وجود أي تقصير أو مخالفة.
لكن بيان الشركة لم يحدد رقم الرحلة أو نوع الطائرة أو طبيعة الجزء الذي سقط، كما لم يوضح هل كان جزءًا من بطانة السقف الداخلي أم غطاءً خفيفًا أم مكونًا يحتاج فحصًا فنيًا.
وبدل تقديم معلومات فنية تطمئن الركاب، ركز البيان على الحفاظ على اسم وسمعة الشركة الوطنية، وهي صياغة تكشف أولوية الصورة العامة على حق الركاب في معرفة ما جرى داخل الرحلة.
كما أن توصيف مصر للطيران بأنها شركة وطنية لا يعفيها من المساءلة، لأن الشركة القابضة لمصر للطيران تتبع وزارة الطيران المدني وتعمل ضمن قطاع يخضع لإدارة الدولة وقراراتها المباشرة.
في المقابل، تؤكد المحامية وخبيرة سلامة الطيران ماري شيافو أن الرقابة الضعيفة وصناعة القرار داخل منظومات الطيران قد تترك فجوات خطرة، وهو رأي يعطي التحقيق المستقل أهمية تتجاوز بيان الشركة.
ومن هنا، يحتاج التحقيق إلى إجابات منشورة لا وعود داخلية، لأن الركاب لا يستطيعون تقييم سلامتهم من خلال جملة عامة عن اتخاذ الإجراءات إذا ثبت التقصير، خصوصًا بعد تداول رواية حذف الصور.
إضافة إلى ذلك، يجب أن يوضح التحقيق هل سجل قائد الطائرة أو الطاقم الواقعة في سجل الرحلة، وهل خضعت الطائرة لفحص بعد الوصول، وهل راجعت الشركة تسجيلات الكاميرات أو شهادات الركاب.
وإذا ثبت أن أحد أفراد الطاقم أو الأمن ضغط على الراكبة لحذف صورة تخص خللًا داخل الطائرة، فإن الواقعة تصبح قضية حقوق ركاب ومساءلة إدارية، وليست مجرد سوء تفاهم قابل للاحتواء.
كذلك، يعكس سؤال الطاقم عن كون فرح صانعة محتوى خللًا إضافيًا، لأن احترام الراكب يجب أن يسبق عدد متابعيه، ولا يجوز أن يتحسن التعامل فقط عندما تخشى المؤسسة من انتشار الفضيحة.
وفي ظل ملكية الدولة للناقل الوطني، تبدو الأزمة أكبر من مشادة داخل طائرة، لأنها تكشف طريقة مألوفة في إدارة الشكاوى داخل مؤسسات عامة تفضل إسكات المتضرر بدل إعلان الحقيقة.
لذلك، تفرض الواقعة على وزارة الطيران المدني إعلان نتائج مراجعة مستقلة، تشمل السلامة والصيانة وطريقة تعامل الطاقم مع الركاب، بدل ترك مصر للطيران تحقق وحدها في واقعة تمس سمعتها مباشرة.
وتبقى الخلاصة أن سقوط جزء داخلي من طائرة لا يجب أن ينتهي باعتذار غامض أو بيان دفاعي، لأن الراكب لا يشتري تذكرة كي يصمت، بل كي يسافر آمنًا ويحصل على إجابة محترمة.
وفي النهاية، كشفت رواية فرح هريدي عن مشكلة مزدوجة داخل مصر للطيران، جزء يسقط داخل المقصورة وصورة تخيف الطاقم أكثر من الواقعة، بينما ينتظر الركاب تحقيقًا يعلن الحقيقة لا يحمي الواجهة.

