تشهد أسواق الأسماك المملحة في مصر خلال موسم شم النسيم 2026 موجة غلاء جديدة دفعت سعر كيلو الفسيخ في بعض المناطق إلى حدود 700 جنيه، بينما صعدت أسعار الرنجة بنسب لافتة بالتوازي مع زيادة تكاليف النقل والإنتاج والاستيراد.
وتكشف حركة السوق أن الأزمة لم تبدأ داخل محال البيع فقط، بل انطلقت من قرار رفع أسعار الوقود في 10 مارس، ثم امتدت إلى المزارع السمكية وسلاسل النقل والتخزين والتصنيع، قبل أن تصل كاملة إلى المستهلك الذي وجد نفسه أمام موسم تقليدي بأسعار استثنائية.
وفي وقت تتحدث فيه الحكومة عن احتواء الضغوط، تظهر السوق صورة مختلفة، إذ تؤكد تصريحات التجار والخبراء أن تكلفة الغذاء الشعبي لم تعد بمنأى عن قرارات الطاقة، وأن الفسيخ والرنجة تحولا هذا العام إلى مثال مباشر على انتقال أعباء الوقود من محطات البنزين إلى موائد المصريين.
تأتي هذه القفزة في الأسعار وسط بيئة تضخمية لم تهدأ بعد، بعدما أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وصول معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 13.5% في مارس 2026 مقابل 11.5% في فبراير 2026، وهو ما يضع أي سلعة موسمية تحت ضغط مزدوج يجمع بين ارتفاع الكلفة وتراجع القدرة الشرائية.
ومع ذلك لم ينخفض الطلب على الفسيخ والرنجة، لأن شم النسيم ما يزال يدفع شريحة واسعة من الأسر إلى الشراء ولو بكميات أقل أو بدرجات جودة أدنى.
ومن هنا تبدو الأزمة أوضح، لأن السوق لا يعاني فقط من ارتفاع الأسعار، بل من ترسيخ نمط تتزايد فيه التكاليف بسرعة أكبر من دخول المواطنين، بينما تستمر الحكومة في تمرير آثار قراراتها الاقتصادية إلى المستهلك النهائي دون حماية فعلية للأسعار.
زيادة البنزين تنقل الغلاء من محطات الوقود إلى موائد شم النسيم
قال محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بالغرفة التجارية، إن السبب الرئيس وراء ارتفاع أسعار الفسيخ والرنجة هذا العام هو زيادة أسعار البنزين، موضحًا أن أثر الزيادة لم يتوقف عند النقل فقط، بل شمل المزارع السمكية ومراحل الإنتاج المختلفة. وأضاف أن الأسعار ارتفعت بنسبة وصلت إلى 30% قبل شم النسيم، في مؤشر واضح على أن القرار الحكومي تحرك سريعًا من قطاع الطاقة إلى الغذاء الشعبي.
ثم دعمت تقديرات خبراء الاقتصاد هذا المسار نفسه، إذ قال الدكتور محمد البهواشي إن زيادة أسعار المحروقات ترفع تكاليف النقل والشحن ثم الإنتاج والتوزيع، قبل أن تنعكس على السعر النهائي الذي يتحمله المستهلك. وبذلك لم يعد غلاء الفسيخ والرنجة واقعة موسمية منفصلة، بل صار جزءًا من موجة أوسع تغذيها زيادة الوقود وتدفعها البيئة التضخمية القائمة في السوق المصرية.
كما أظهرت الأسعار المتداولة في الأسواق حجم الانتقال السريع للكلفة، إذ تراوح سعر كيلو الفسيخ البوري الكبير بين 650 و700 جنيه، بينما دار متوسط الحجم بين 400 و450 جنيهًا، ووصلت الرنجة الجامبو إلى 300 و400 جنيه للكيلو، مع فروق إضافية بين المحافظات ترتبط بكلفة النقل وحجم الطلب. وتؤكد هذه الأرقام أن الموسم الحالي حمل زيادة سعرية مركبة لا تفسرها مناسبة شم النسيم وحدها.
البوري والأعلاف والاستزراع السمكي يرفعون كلفة الفسيخ قبل وصوله إلى التاجر
أوضح محمد عبد الحليم أن الفسيخ يعتمد أساسًا على أسماك البوري المستزرعة، وأن سعر كيلو البوري قبل التمليح يتراوح بين 170 و200 جنيه، قبل أن يقفز بعد التمليح إلى ما بين 600 و700 جنيه نتيجة التخزين والتمليح والربح التجاري. كما أشار إلى وجود 6 أنواع من البوري، بينها أنواع محلية وأخرى مستوردة مثل البوري المبطرخ الذي يستخدم لاستخراج البطارخ ويباع بسعر أقل من البوري المحلي.
وفي السياق نفسه، قال الدكتور صلاح مصيلحي، رئيس جهاز حماية الثروة السمكية، إن الأعلاف المستوردة تستحوذ على قرابة 60% من تكلفة تشغيل المزارع السمكية، مؤكدًا أن أسعار الأسماك لن تنخفض بصورة ملموسة إلا مع تعزيز إنتاج الأعلاف محليًا. ويعني ذلك أن أزمة الفسيخ لا تبدأ في موسم التمليح، بل تنشأ منذ لحظة تغذية الأسماك داخل المزرعة، حيث تتجمع الكلفة قبل أن تظهر على بطاقة السعر النهائية.
وبعد ذلك يكتمل الضغط مع طبيعة الاستزراع نفسه، إذ أكدت الدكتورة منى محرز، نائب وزير الزراعة الأسبق لشؤون الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، أن الاستزراع السمكي في مصر يعتمد معظمه على القطاع الخاص، وأن تنميته ورفع كفاءته مسألة حاسمة للحفاظ على الإنتاج. وتوضح هذه الشهادة أن أي اختلال في كلفة التشغيل أو التمويل أو الأعلاف ينعكس سريعًا على السوق، لأن المنتج النهائي يعتمد على قطاع يواجه أعباءه بصورة مباشرة.
الإقبال مستمر لكن الغلاء مرشح للبقاء بعد شم النسيم
رغم هذا الغلاء، شدد محمد عبد الحليم على أن الموسم الحالي شهد إقبالًا كبيرًا على شراء الفسيخ والرنجة بسبب تزامن الأعياد وتمسك المواطنين بالعادات المرتبطة بشم النسيم. كما أكد أن الطلب الموسمي ساهم بدوره في رفع الأسعار، وهو ما يفسر استمرار الرواج التجاري حتى مع اتساع الفجوة بين السعر وقدرة المستهلك على الشراء، خاصة في المدن الكبرى ذات الكلفة الأعلى.
لكن استمرار الإقبال لا يعني أن السوق يتجه إلى انفراجة سريعة، إذ قال الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، إن زيادة البنزين ترفع كل شيء من النقل إلى الإنتاج وتخلق موجة تضخمية، كما أشار إلى أن الأسعار في مصر لا تنخفض عادة بعد ارتفاعها. وتمنح هذه القراءة الاقتصادية بُعدًا أوضح لأزمة الفسيخ والرنجة، لأن الغلاء الحالي يبدو أقرب إلى المسار المستمر منه إلى القفزة العابرة.
وأخيرًا تبدو صورة السوق خلال شم النسيم 2026 شديدة الوضوح، إذ اجتمعت زيادة الوقود وارتفاع كلفة البوري والأعلاف وتكاليف النقل والتخزين مع الطلب الموسمي، فنتجت عنها أسعار دفعت سلعة شعبية تقليدية إلى مستويات غير مسبوقة. وبذلك لا توثق أزمة الفسيخ والرنجة مجرد موسم غالٍ، بل تكشف كيف تنتقل آثار القرارات الاقتصادية الحكومية بسرعة إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يدفع المستهلك الثمن كاملًا في كل مرة، من دون أن يملك سوى تقليص الكمية أو الخروج من السوق نهائيًا.

