أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات اعتبرها مراقبون بمثابة اعتراف صريح بعدم قدرة الولايات المتحدة على احتواء البرنامج الصاروخي الإيراني، في تحول لافت مقارنة بالمواقف التي تبناها سابقاً خلال حملاته السياسية وانتقاداته المتكررة للاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما مع طهران.

 

وجاءت تصريحات ترامب خلال كلمته الختامية على هامش قمة مجموعة السبع، حيث تحدث عن القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والملفات الأمنية الإقليمية، مؤكداً أن واشنطن ستواصل العمل مع دول الخليج لمعالجة عدد من القضايا غير النووية، بما في ذلك ملف الصواريخ الباليستية التقليدية والدور الإقليمي لإيران.

 

 

تبريرات جديدة بشأن الصواريخ الإيرانية

 

وفي حديثه عن القدرات الصاروخية الإيرانية، قدم ترامب مبررات بدت مختلفة عن الخطاب الأمريكي التقليدي الذي كان يدعو إلى فرض قيود صارمة على برنامج طهران الصاروخي.

 

وقال الرئيس الأمريكي إن امتلاك دول أخرى في المنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، منظومات صاروخية متطورة يجعل من غير المنطقي – من وجهة نظره – مطالبة إيران بالتخلي الكامل عن هذه القدرات.

 

وأوضح ترامب أن بعض مستشاريه وشخصيات سياسية أمريكية كانت تطالب بمنع إيران من امتلاك أي صواريخ، لكنه رفض هذا الطرح، معتبراً أن موازين القوى الإقليمية لا تسمح بمثل هذا السيناريو.

 

وأضاف أن فكرة السماح لبعض دول المنطقة بامتلاك صواريخ متطورة في الوقت الذي تُحرم فيه إيران من ذلك ليست واقعية، مؤكداً أن "الأمور لا تسير بهذه الطريقة".

 

 

تراجع عن أحد أبرز الانتقادات للاتفاق النووي

 

وتحمل تصريحات ترامب أهمية خاصة لأنها تمثل تحولاً واضحاً مقارنة بالمواقف التي تبناها الحزب الجمهوري طوال السنوات الماضية تجاه الملف الإيراني.

 

فمنذ توقيع الاتفاق النووي المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" عام 2015، اعتبر الجمهوريون أن أحد أكبر أوجه القصور في الاتفاق يتمثل في استبعاده لملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني من طاولة المفاوضات.

 

وخلال تلك الفترة، شن ترامب وحلفاؤه هجمات سياسية متواصلة على إدارة أوباما، معتبرين أن تجاهل البرنامج الصاروخي الإيراني منح طهران فرصة لتعزيز قدراتها العسكرية دون قيود.

 

لكن تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة تعكس واقعاً مختلفاً، إذ أقر عملياً بأن ملف الصواريخ الإيرانية لا يمكن التعامل معه بالطريقة التي كان يطالب بها منتقدو الاتفاق النووي في السابق.

 

 

إيران وتمسك مستمر بالقدرات الدفاعية

 

وعلى الجانب الإيراني، كانت طهران قد أعلنت مراراً خلال السنوات الماضية أن قدراتها العسكرية والدفاعية، وفي مقدمتها البرنامج الصاروخي، تمثل خطوطاً حمراء غير قابلة للتفاوض.

 

وأكد المسؤولون الإيرانيون في مناسبات عديدة أن أي مفاوضات مع القوى الغربية يجب أن تقتصر على الملف النووي، بينما تبقى المنظومات الدفاعية خارج نطاق النقاش السياسي والدبلوماسي.

 

وخلال المفاوضات التي سبقت توقيع الاتفاق النووي، شددت الجمهورية الإسلامية على رفضها القاطع لإدراج قدراتها الصاروخية ضمن بنود الاتفاق، وهو الموقف الذي تمسكت به لاحقاً رغم العقوبات والضغوط الغربية المتواصلة.

 

 

حربان وتغير في الحسابات الأمريكية

 

ويرى محللون أن تصريحات ترامب جاءت بعد سنوات من المواجهات غير المباشرة والتصعيد العسكري مع إيران، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم أولوياتها.

 

فبعد سلسلة من الأزمات الإقليمية والتطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة، باتت واشنطن تدرك حجم التطور الذي طرأ على القدرات الصاروخية الإيرانية، سواء من حيث المدى أو الدقة أو التنوع العملياتي.

 

ويشير مراقبون إلى أن هذا الإدراك انعكس بوضوح في تصريحات ترامب الأخيرة، التي ركزت على البرنامج النووي باعتباره القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للإدارة الأمريكية، بينما تراجع ملف الصواريخ إلى مرتبة أقل أهمية مقارنة بالماضي.

 

وفي ختام تصريحاته، أوضح ترامب بصورة غير مباشرة أن هدفه الأساسي يتمثل في فرض قيود على أجزاء من البرنامج النووي الإيراني، وليس الدخول في مواجهة مفتوحة بشأن القدرات الصاروخية التقليدية.