أخلت نيابة شرق الإسكندرية الكلية، الأربعاء 17 يونيو 2026، سبيل المخرجة والطبيبة أمنية سويدان بكفالة 20 ألف جنيه، بعد التحقيق معها في الإسكندرية على خلفية نشر شهادتها عن انتهاكات داخل مستشفى الشاطبي.
وجاء القرار بعد ساعات من القبض عليها من منزلها في دمنهور، ليكشف كيف تتعامل السلطة مع شهادة عن عنف طبي ضد النساء كملف اتهام لصاحبة الشهادة، بدل تحويل الوقائع إلى تحقيق مستقل يحمي المريضات.
من شهادة عن مستشفى إلى اتهام بنشر أخبار كاذبة
في البداية، وجهت النيابة إلى أمنية سويدان اتهامات بنشر أخبار كاذبة عن طريق فيسبوك وإساءة استخدام الحساب، بحسب المحامي الحقوقي محمد رمضان، الذي أوضح أن البلاغ قدمه محامي مستشفيات جامعة الإسكندرية.
وبعد ذلك، تحولت شهادة كتبتها طبيبة امتياز سابقة إلى قضية جنائية، رغم أن مضمونها يتصل بممارسات داخل قسم النساء والتوليد في مستشفى جامعي يتعامل يوميًا مع حالات ولادة ونساء في لحظات ضعف طبي.
كما أعلن محمد رمضان ظهور أمنية أمام نيابة شرق الإسكندرية الكلية بعد ساعات من إعلان القبض عليها، وهو تسلسل زمني جعل واقعة الاحتجاز نفسها جزءًا من السؤال حول حماية الشهود والمبلغين داخل القطاع الصحي.
في المقابل، فتحت شهادة أمنية نقاشًا واسعًا حول العنف التوليدي، بعدما قالت إنها رأت 4 مواقف لا تمحى من ذاكرتها أثناء عملها في قسم النساء والتوليد داخل مستشفى الشاطبي الجامعي.
ولذلك، رأت منظمات ومبادرات حقوقية وأحزاب سياسية وشخصيات عامة أن احتجاز أمنية جاء بعد ممارسة حقها في التعبير، وطالبت بالإفراج عنها دون قيد أو شرط ودون توجيه اتهامات بسبب شهادتها.
من جهته، يوضح رئيس جمعية الحق في الصحة محمد حسن خليل أن نمط الصراخ والسباب في غرف الولادة يحمل بعدًا طبقيًا، لأن المريضة داخل مستشفى حكومي مجاني لا تملك غالبًا قوة الاعتراض أو المساءلة.
وبهذا المعنى، لا تقف الواقعة عند طبيبة كتبت منشورًا على فيسبوك، بل تكشف علاقة مختلة بين مؤسسات صحية تمتلك سلطة القرار، ونساء يدخلن المستشفى وهن في احتياج عاجل إلى رعاية لا إذلال.
وقائع الولادة تكشف جسد النساء تحت سلطة المستشفى
وفق شهادة أمنية، تعرضت فتاة عمرها 19 عامًا أثناء ولادتها الأولى لفحص عنيف ومؤذ بذريعة تأديبها على الصراخ، واتهمت الطبيبة أحد الأطباء بالتحرش بها وسط ضحك من طاقم التمريض.
ثم تحدثت أمنية عن واقعة ثانية، قالت فيها إن طبيبًا صفع امرأة أثناء الولادة، بينما تعدت ممرضة عليها لفظيًا، وعندما صدمت أمنية وزميلتها من المشهد تعرضتا للسخرية من الطبيب والممرضة.
كذلك، امتدت الشهادة إلى حالة تعرضت لمحاولة اغتصاب ووصلت إلى المستشفى بتهتك في الرحم ونزيف، لكن أمنية قالت إن تقديم العلاج تعطل بسبب حكم أخلاقي على ملابسها والسجائر التي معها.
وبالتوازي، ذكرت أمنية حالة إجهاض غير مكتمل لامرأة معنفة، وقالت إن المستشفى رفض التعامل معها بدعوى غياب قسيمة الزواج، رغم أن حالتها كانت مهددة بمضاعفات خطيرة وتحتاج تدخلًا طبيًا سريعًا.
وعندما تدخلت أمنية لإدخال الحالة على مسؤوليتها الشخصية، قالت إن التذكرة الطبية تضمنت عبارة مهينة، ما يعكس انتقال الوصم الاجتماعي إلى داخل الورق الطبي، بدل تسجيل الحالة بلغة مهنية تحفظ كرامة المريضة.
وتضيف الباحثة في الصحة الإنجابية نانا أبو السعود أن ما كتبته أمنية ليس خيالًا، بل يتطابق مع ما تسمعه من أطباء منشغلين بالحقوق الإنجابية عن معاملة النساء داخل غرف الولادة بالمستشفيات العامة.
وتربط أبو السعود هذه الممارسات بطول مدة احتياج النساء للرعاية في الحمل والولادة، حيث يظهر نقص الصبر وقلة الكفاءة بشكل أوضح، وتتعرض النساء للاستهزاء عندما يتألمن أو يبكين أثناء الولادة.
وفي شهادتها، لم تحصر أمنية الوقائع في حالات فردية، بل أشارت إلى ممارسات ممنهجة مثل شق العجان، وهو قطع جراحي أثناء الولادة الطبيعية لتوسيع فتحة المهبل، وقد يتحول إلى إجراء روتيني بلا ضرورة.
كما أشارت إلى ما يعرف بغرزة الزوج، وهو إجراء يتضمن تضييق فتحة المهبل بعد الولادة، ويمثل عند طرحه داخل شهادات النساء مثالًا على التعامل مع جسد المريضة كمساحة يقرر فيها آخرون.
وفوق ذلك، تحدثت أمنية عن الضغط بالكوع على رحم الأم لتحفيز نزول المشيمة بعد الولادة، بدل انتظار نزولها طبيعيًا أو استخدام أوكسيتوسين، في ممارسة تعكس ضغط الوقت على حساب ألم المرأة وسلامتها.
البيانات الرسمية تحاصر الشاهدة وتترك الأسئلة بلا مساءلة
أعلنت جامعة الإسكندرية أن ما نشر حول مستشفى الشاطبي محل تحقيق وفحص من الجهات المختصة بكلية الطب، وأكدت أن أي تجاوز يثبت حدوثه سيجري التعامل معه بحزم ودون تستر أو استثناء.
غير أن بيان الجامعة ربط بين فتح التحقيق والاحتفاظ بحق اتخاذ إجراءات قانونية حال ثبوت عدم صحة الادعاءات أو تعمد نشر معلومات غير صحيحة، وهو ما وضع صاحبة الشهادة تحت تهديد مواز للتحقيق.
في السياق نفسه، قالت نقابة أطباء مصر إنها تتابع ما أثير بشأن وقائع منسوبة إلى مستشفى الشاطبي الجامعي، لكنها أكدت أنها لم تتلق حتى الآن أي شكوى رسمية موثقة بشأنها.
ثم دعت النقابة من يمتلك معلومات أو أدلة إلى التقدم بشكوى للجهات المختصة، وشددت على محاسبة أي تجاوز حال ثبوته، لكنها رفضت التشكيك في جهود الأطباء والمستشفيات الجامعية التي تخدم آلاف المرضى.
وبين البيانين، ركزت المؤسسات الرسمية على القنوات الرسمية والسمعة المهنية، بينما جاء القبض على أمنية كرسالة عملية بأن الحديث العلني عن الانتهاكات قد يعرض صاحبه للاتهام بدل الحماية.
وتوضح الطبيبة والباحثة فريدة محجوب أن العنف التوليدي يشمل ممارسات متعددة، بينها العنف اللفظي وسوء المعاملة وانتهاك الخصوصية وعدم السماح بمرافق أثناء الولادة وإجراءات جسدية لا تستند إلى مبرر طبي مقبول.
وتشير محجوب إلى أنها بدأت اهتمامها البحثي بالملف عام 2013 أثناء دراسة اكتئاب ما بعد الولادة، وأن دراسة على أمهات في القاهرة الكبرى سجلت معدلًا يقارب 78% مقابل نسب عالمية تدور حول 15%.
لذلك، يصبح نفي الظاهرة أو اختزالها في شكوى غير موثقة هروبًا من أصل المشكلة، لأن شهادات النساء لا تحتاج فقط إلى مكتب يتلقى أوراقًا، بل إلى آلية آمنة تمنع الانتقام والتشهير.
كما أن اتهام طبيبة بنشر أخبار كاذبة بسبب شهادة عن مؤسسة عامة يضاعف الخوف لدى الطبيبات والمريضات، ويجعل البلاغ الرسمي مخاطرة شخصية، خصوصًا عندما تملك المؤسسة نفوذًا إداريًا وقانونيًا واسعًا.
وعلى مستوى مضمون الشهادة، اتهمت أمنية بعض الكوادر بإجراء عمليات قيصرية غير ضرورية لتحقيق عوائد مادية، كما تحدثت عن إجبار حالات على الولادة الطبيعية في ظروف لا تسمح بذلك طبيًا.
إضافة إلى ذلك، قالت أمنية إن إدخال بعض الحالات الحرجة إلى العناية المركزة كان يتوقف على موافقة مكتوبة من الزوج أو الأب أو الأخ، مع رفض الاعتداد بموافقة الأم صاحبة الجسد والحالة الطبية.
وهنا تتجاوز الأزمة حدود مستشفى الشاطبي، لأن اشتراط موافقة رجل في حالات حرجة يحول المرأة البالغة إلى طرف ناقص الأهلية داخل لحظة طبية عاجلة، ويضع حياتها تحت سلطة عائلية وإدارية معًا.
في النهاية، لم تغلق كفالة 20 ألف جنيه القضية، بل كشفت ثمن الكلام في ملف يخص أجساد النساء داخل مستشفى عام، ووضعت الحكومة أمام سؤال واضح عن حماية المريضات بدل معاقبة من كشفت الوقائع.
ويبقى الاختبار الحقيقي في فتح تحقيق مستقل وشفاف مع الكوادر والمسؤولين، وضمان عدم ملاحقة أمنية أو غيرها من الشاهدات، لأن العدالة لا تبدأ من إسكات الشهادة، بل من حماية النساء داخل غرف الولادة.

