مقطع فيديو لرجل ياباني مسن يضرب قدم فتاة بصحيفة في مترو الأنفاق لأنها جلست واضعة رجلًا على رجل، ومشهد آخر لرجل مسن في مترو القاهرة يدخل في مشادة مع فتاة بدعوى عدم احترامها للسن أو الآداب العامة.

ظاهريًا، الحكايتان متشابهتان إلى حد التطابق: مسن غاضب، فتاة شابة، اتهام بعدم الاحترام، وتوتر في مساحة عامة يفترض أن تكون آمنة ومحايدة.

 

 

لكن جوهر الموضوع ليس: هل جلست الفتاة بطريقة “مهذبة” أم لا؟ ولا: من المخطئ ومن المصيب؟ السؤال الأعمق هو: كيف يتعامل المجتمع، والإعلام، والمؤسسات مع هذا النوع من الخلاف اليومي؟ هنا تحديدًا يظهر الفارق الجوهري بين اليابان ومصر، لا في مستوى الأخلاق أو القيم، بل في طريقة إدارة الخلاف، وحدود تدخل الأفراد، ودور المؤسسات في تنظيم السلوك العام.

 

من مشهد واحد إلى قراءتين مختلفتين: العنف مرفوض أم قابل للتبرير؟

 

في الواقعة اليابانية، ورغم خصوصية الثقافة هناك التي تعطي مكانة كبيرة لاحترام كبار السن والانضباط في الأماكن العامة، تركز النقاش العام على نقطة أساسية: لا يحق لأي شخص أن يعتدي جسديًا على آخر تحت أي مبرر، حتى لو اعتبر سلوكه “غير مهذب” أو “غير لائق”. النقاش لم يتحول إلى محاكمة للفتاة بقدر ما انشغل بتصرف الرجل نفسه، وبدور موظفي المترو في إنهاء المشكلة بهدوء، وضرورة أن تكون معالجة مثل هذه الحوادث مؤسسية لا فردية.

 

بمعنى آخر، تم التعامل مع الحادثة باعتبارها خللًا في طريقة التعبير عن الغضب أو الرفض، لا معركة هوية أو شرف أو قيم مطلقة. لم يتسابق المجتمع إلى تمزيق سمعة الفتاة أو التفتيش في نواياها، بل تم التركيز على مبدأ عام وبسيط: الرفض القاطع لاستخدام العنف لفرض تصور شخصي عن “الاحترام”.

 

في المقابل، انعكست الواقعة المصرية في مرآة مشروخة. بدلًا من أن ينصب النقاش على أمرين واضحين: حدود السلوك المقبول في المترو، وحدود حق الفرد في الاعتراض أو التنبيه، انجرّ الجدل بسرعة إلى ساحة استقطاب حاد.

البعض حول الرجل الصعيدي إلى بطل مدافع عن القيم والدين والرجولة، وآخرون هاجموه باعتباره متجاوزًا ومتسلطًا، وبينهما من اختار أسهل هدف: الفتاة نفسها، لتتحول إلى مادة للتشهير والاتهام وسبّ الأهل والتربية والملابس تحت لافتة الدفاع عن الأخلاق أو عن الحرية.

 

 

هكذا تحولت لقطة عابرة كان يمكن أن تُدار في دقائق إلى معركة رمزية محمّلة بكل عقد المجتمع وأسئلته المؤجلة عن الجسد، والمرأة، والدين، والسلطة، والريف، والصعيد، والمدينة.

 

أجيال مختلفة أم صراع على احتكار تعريف “الاحترام”؟

 

في العمق، الحالتان تعكسان صدامًا بين جيلين ومنظومتين من القيم. جيل أقدم يرى أن الاحترام يعني شكلًا معينًا من الجلسة واللباس والخطاب، وأن “الهيبة” تُفرض حتى لو احتاج الأمر رفع الصوت أو التوبيخ أو التهديد. وجيل أحدث نشأ في عالم أكثر انفتاحًا، يرى أن المساحة الشخصية والحرية الفردية أولوية، وأن الجسد ملك لصاحبه، ما دام لا يعتدي على أحد ولا يخرق قانونًا واضحًا.

 

لكن الفارق بين اليابان ومصر لا يقف عند حدود هذا الاختلاف الطبيعي بين الأجيال، بل يتجلى في سؤال: من يملك حق تعريف “الاحترام” وفرضه؟ في النموذج الياباني، حتى الأجيال الأقدم، برغم تحفظاتها، تجد نفسها مضطرة إلى الاعتراف بأن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها، وأن ضبط السلوك في المساحات العامة وظيفة قواعد مكتوبة ومؤسسات، لا نزوات أفراد غاضبين. ولذلك فإن الاعتداء الجسدي يُدان، حتى لو تعاطف البعض مع ضيق الرجل من جلوس الفتاة.

 

أما في النموذج المصري كما تعكسه الواقعة، فهناك ميل واضح لتحويل أي خلاف سلوكي إلى محكمة أخلاقية مفتوحة. لا يناقش الناس القاعدة، بل يحاكمون الشخص.

بدل أن يكون السؤال: ما الضابط العادل للسلوك في المترو؟ يصبح السؤال: هل هذه الفتاة “محترمة” أم لا؟ هل هذا الرجل “غيور على القيم” أم “متسلط ومتحرش”؟ يصبح الخلاف على الأرض مجرد شرارة تشعل مخزونًا هائلًا من الأحكام المطلقة على النوايا والضمائر.

 

هنا لا يعود الخلاف بين جيلين بقدر ما يصبح صراعًا على احتكار تعريف الفضيلة، وعلى من يملك الحق في فرض رؤيته بالقوة أو بالصوت العالي، متجاوزًا القانون والمؤسسات.

 

من مأسسة الخلاف إلى تسويقه كمعركة أخلاق: أين يكمن التأخر الحقيقي؟

 

النص الأصلي الذي ننطلق منه محق حين يشير إلى أن الفارق بين اليابان ومصر ليس في وجود القيم من عدمها، فكلا المجتمعين لديه منظومة أخلاقية معقدة، وفيه الصالح والطالح، المتشدد والمتسامح. إنما الفارق في كيفية إدارة الخلاف حين يصطدم هذان العالمان: عالم الجيل الأكبر وعالم الجيل الجديد.

 

في اليابان، تُقرأ الحوادث المشابهة كباب لمراجعة السياسات والإجراءات؛ كيف يتصرف موظفو المترو؟ ما هي حدود تدخلهم؟ متى يجب استدعاء الشرطة؟ كيف نحد من تحول الأفراد إلى “شرطة أخلاق” تمارس العنف باسم الفضيلة؟ بهذا المعنى، يتحول الخلاف اليومي إلى مادة لصنع قواعد أكثر عدلًا واتساقًا.

 

في مصر، غالبًا ما تُستثمر هذه الوقائع إعلاميًا في صناعة مشهد صدامي يصلح للترند والبرامج الحوارية، أكثر مما يصلح لتعديل سلوك أو صياغة قواعد. تُستدعى فيها مفردات الدين والشرف والسمعة والرجولة، ويُترك جوهر السؤال بلا جواب: كيف نضمن للجميع حقهم في مساحة شخصية محترمة، وفي الوقت نفسه نحافظ على سلوك منضبط في المكان العام دون عنف أو تسلط؟

 

لذلك، حين نقول إن الفارق بين اليابان ومصر “سنين ضوئية”، فنحن لا نقصد أن مجتمعًا ملائكي وآخر منحط، بل نقصد أن أحدهما تعلّم نسبيًا كيف يحول الخلاف إلى نقاش مؤسسي وعقلاني، بينما الآخر ما زال يحوله إلى حرب صغيرة على الشاشات ووسائل التواصل.

جوهر الموضوع أن ما نحتاجه ليس مزيدًا من الضجيج الأخلاقي، بل قدرة هادئة على وضع قواعد عادلة، تحمي الجميع من الاعتداء، وتسمح للجميع بأن يختلفوا دون أن يفتك بعضهم ببعض باسم “الاحترام”.