في غضون عام واحد فقط، تحوّلت الفضة من المعدن “المظلوم” بجوار الذهب إلى نجم الأسواق العالمية. فالأوقية كسرت لأول مرة في التاريخ حاجز 100 دولار، بعد موجة صعود انتهت بسعر يلامس 105–110 دولارات، وفق بيانات عدة منصات دولية ومحلية، في قفزة وُصفت بأنها “تاريخية وغير مسبوقة”.
تقرير “الملاذ الآمن” عن أداء 2025 يقدّر أن أسعار الفضة عالميًا قفزت بنحو 148% خلال عام واحد، بينما ارتفعت في السوق المصرية بنحو 145%، وهي مستويات لم تشهدها الأسواق منذ ثمانينيات القرن الماضي. ومع استمرار موجة الصعود في يناير 2026 وكسر حاجز 100 دولار، أصبح من المنطقي أن يتداول الصاغة والمحللون أرقامًا تقترب فعليًا من زيادات تفوق 200% على المستهلك النهائي، بعد إضافة أثر انهيار الجنيه والمصنعية والضرائب.
السؤال الآن: ما الذي أشعل هذه القفزة؟ وهل نحن أمام فقاعة عابرة أم إعادة تسعير عميقة لمعدن يجمع بين سلاح الادخار ووقود الصناعة؟
من 30–40 دولار إلى 100+: أرقام قياسية في شهور قليلة
بحسب تقارير اقتصادية متطابقة، أنهت الفضة عام 2024 عند مستويات تدور حول 35–40 دولارًا للأوقية، قبل أن تدخل في موجة صعود منذ مطلع 2025 أوصلتها إلى نحو 75 دولارًا في نهاية العام، ثم إلى ما يفوق 100 دولار مع بداية 2026، أي ما يقارب 148% صعودًا على أساس سنوي، ثم استمرارًا إضافيًا في الأسابيع الأولى من العام الجديد.
في السوق المصرية، تعكس الأرقام الصورة نفسها ولكن بصورة أكثر حدة. تقرير “الملاذ الآمن” يرصد أن جرام الفضة عيار 999 افتتح عام 2025 عند نحو 51 جنيهًا، ولامس 136 جنيهًا في ذروة العام، وأنهى 2025 عند 125 جنيهًا؛ بزيادة 145% تقريبًا على مدار العام. ومع استمرار موجة الصعود، قفز الجرام في يناير 2026 إلى مستويات تاريخية تراوحت بين 137 و171 جنيهًا لعيار 999، وقرابة 159 جنيهًا لعيار 925 بدون دمغة أو مصنعية، بينما يتراوح سعر الجرام بالمصنعية في بعض المحلات بين 180 و220 جنيهًا.
هكذا، إذا نظر المستهلك المصري إلى فاتورة الشراء اليوم مقارنة بالعام الماضي، سيجد في كثير من المشغولات والسبائك الصغيرة زيادة فعلية تفوق الضعفين، بعد أن أضيف إلى القفزة العالمية عامل تدهور سعر الصرف وارتفاع مصاريف التصنيع والضرائب؛ وهي النقطة التي تجعل عبارة “أكثر من 200% خلال عام” قريبة جدًّا من الإحساس اليومي في السوق، حتى لو كانت الإحصاءات الرسمية تتحدث عن 145–160%.
عجز في المعروض وطلب مزدوج: الفضة بين الملاذ الآمن ومصانع العالم
لفهم هذه الطفرة، لا يكفي النظر إلى الرسوم البيانية، بل إلى هيكل السوق نفسه. تقرير “معهد الفضة” الدولي (Silver Institute) يشير إلى أن إجمالي المعروض العالمي من الفضة في 2025 قُدِّر بنحو 1.05 مليار أونصة، مع استمرار حالة العجز في السوق للعام الثالث على التوالي، أي أن الطلب يفوق المعروض بشكل متكرر، وهو ما يخلق ضغطًا صعوديًا مستمرًّا على الأسعار.
هذا العجز يأتي من طبيعة الفضة “المزدوجة”
هي من ناحية ملاذ آمن رخيص نسبيًا مقارنة بالذهب، يلجأ إليه المستثمرون وصغار المدخرين مع انفجار أسعار الذهب فوق 4 و5 آلاف دولار للأونصة، فيجد كثيرون أن الدخول إلى الذهب أصبح مكلفًا جدًّا، فيتجهون إلى “المعدن الأبيض” كخيار تحوّط أقل كلفة.
ومن ناحية أخرى، الفضة معدن صناعي بامتياز، يدخل في ألواح الطاقة الشمسية، وصناعة الشرائح الإلكترونية، وأجزاء من السيارات الكهربائية والهواتف الذكية. ومع توسّع الطاقات المتجددة والتقنيات الخضراء، زادت شهية المصانع على الفضة، خصوصًا في الصين وتركيا والهند وكوريا الجنوبية، حيث تشير تقارير إلى نفاد المخزونات في بعض الأسواق نتيجة طلب استثماري وصناعي متداخل.
هذا التداخل بين “استثمار الأزمات” و“احتياجات الصناعة” يجعل الصعود الحالي ليس مجرد رد فعل عاطفي على أخبار سياسية، بل نتيجة لمسار هيكلي أطول: سنوات من العجز، وتشديد نقدي ثم تيسير عالمي، وتوترات جيوسياسية تدفع البنوك المركزية والأفراد معًا إلى المعادن النفيسة.
كيف يقرأها الصاغة؟ بين فرصة ادخار ومخاطر فقاعة متقلبة
في مواجهة هذه القفزة، تبدو آراء الصاغة مهمة لأنها تعبّر عن نبض السوق الحقيقي على مستوى الجرام، لا على شاشات البورصة.
في حوار مع موقع “مبتدا”، يقول عدد من تجار الفضة إن الأسعار الحالية – رغم ارتفاعها – “ما زالت مناسبة للشراء”، مع توصية واضحة بالتركيز على السبائك والفضة النقية قليلة المصنعية لمن يفكر في الادخار، مؤكدين أن الطلب على الفضة في مصر يشهد نموًا ملحوظًا مع بحث الناس عن بديل أرخص من الذهب، لكن يحتفظ بصفة الملاذ الآمن.
تاجر الفضة كريم حمدان، في تقرير موسّع لموقع “مصراوي”، يذهب في الاتجاه نفسه، معتبرًا أن عيار 999 هو “الخيار الأمثل للادخار”، موضحًا أن الأسعار قفزت بقوة لكنها – برأيه – تعكس واقعًا جديدًا في السوق العالمية وليس موجة مضاربات قصيرة فقط، خاصة مع استمرار الطلب الصناعي. ويرى أن من يدخل اليوم للاستثمار يجب أن يفكر في أفق متوسط إلى طويل، مع تجنب المشغولات الثقيلة المصنعية والتركيز على السبائك أو الكسر عيار 999 و925.
على الجانب الآخر، يحذر أحد تجار الفضة في تصريحات لموقع “إيجي إن” من أن ارتفاع الأسعار جعل المصنعية عنصرًا حاسمًا في قرار الشراء؛ فتكلفة التصنيع للجرام تتراوح حاليًا بين 4 و25 جنيهًا حسب الوزن والتصميم، وهو ما أدى إلى تراجع مبيعات المشغولات الفضية لصالح السبائك، لأن المستهلك بات أكثر وعيًا بأن أي “شغل زيادة” يعني خسارة أكبر عند إعادة البيع.
أما سعيد إمبابي، رئيس منصة “آي صاغة” الإلكترونية المتخصصة في الذهب والفضة، فيربط بين القفزة السعرية وواقع السوق اليومية، لافتًا إلى أن ارتفاع الذهب والفضة دفع شرائح واسعة من المصريين إلى شراء السبائك الصغيرة بغرض التحوّط، وأن سعر جرام الفضة عند حدود 130–140 جنيهًا شكّل “مستوى تاريخيًا” لم يعتده السوق من قبل. ويرى إمبابي أن استمرار موجة الصعود مرهون باستمرار التوترات العالمية، وبسياسات الفائدة في الاقتصادات الكبرى، محذرًا في الوقت نفسه من أن الفضة معدن عالي التقلّب، وقد تشهد تصحيحات حادة لمن يدخل للمضاربة القصيرة.
خلاصة ما يقوله الصاغة
نعم، الفضة اليوم في قمّة تاريخية، ومَن اشترى قبل عام يجلس على مكاسب قد تتجاوز 150% وقد تقترب من 200% في بعض الحالات. لكن في المقابل، من يدخل الآن يجب أن يكون مستثمرًا لا مقامرًا؛ يختار العيار الصحيح، والمنتج الصحيح، وأفقًا زمنيًا لا يقل عن عدة سنوات، لأن “المعدن الأبيض” إذا صعد صعد صاروخيًا، وإذا صحّح قد يهبط بالحدة نفسها.

