تفجّرت موجة غضب واسعة على منصات التواصل بعد تداول صور تُظهر تعليق لافتات تحمل صورة وزير الأوقاف أسامة الأزهري على واجهة وأسوار مسجد السيدة زينب بالقاهرة، أحد أكثر المساجد رمزية في الوجدان المصري.
الجدل لم يكن شكليًا ولا عابرًا، بل مسّ جوهر العلاقة بين الدولة والفضاء الديني، وحدود استخدام بيوت الله في الدعاية الشخصية.
القضية اكتسبت زخمًا مضاعفًا بعدما دخلها كتاب وإعلاميون وصحفيون، ومع تبريرات رسمية وُصفت بأنها غير مقنعة، تحولت الواقعة إلى اختبار أخلاقي وسياسي لوزارة الأوقاف، ولسؤال أقدم: هل المساجد محايدة أم قابلة للتسييس البصري؟
شرارة الغضب: صورة على جدار مسجد ليست كأي صورة
البداية كانت مع منشور للكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى على صفحته في فيسبوك، مرفقًا بصورة تُظهر اللافتات المثيرة للجدل، مطالبًا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بتدخل فوري لرفع صور الوزير من واجهة وأسوار المسجد، وواصفًا الأمر بأنه “تصرف عجيب ومعيب”، ولا يجوز للدولة السماح باستخدام مساجد الله للدعاية والنفاق لأي وزير “حتى لو كانت عمامة فوق رأسه”.
إبراهيم عيسى يكتب على صفحته في فيسبوك
— Ayman Azzam (@AymanazzamAja) January 10, 2026
مرفقاً هذه الصورة :-
( ننتظر أمرا فوريا من دكتور مصطفي مدبولي برفع صور وزير الاوقاف من علي واجهة وأسوار مسجد السيدة زينب
هذا تصرف عجيب ومعيب ولايجب أن تسمح الدولة باستخدام مساجد الله للدعاية والنفاق لوزير حتي لو كانت عمامة فوق رأسه) pic.twitter.com/XYR4IMI1VS
تفاعل الشارع الرقمي كان سريعًا وحادًا. فمسجد السيدة زينب ليس منشأة عادية، بل رمز روحي وتاريخي، يرتبط بالذاكرة الشعبية والطقوس الدينية لملايين المصريين. خبراء في علم الاجتماع الديني يرون أن أي مساس بصري بقدسية المكان يُقرأ فورًا باعتباره تجاوزًا، لأن الجدران في المخيال الجمعي مخصصة للذكر والآيات، لا لصور المسؤولين، أيا كانت مناصبهم أو نياتهم.
تبريرات الأوقاف تحت النار: “اكتفاء بالظاهر” لا يقنع أحدًا
الأزمة تصاعدت أكثر بعد تصريح متحدث وزارة الأوقاف، الذي حاول تبرير وجود الصور باعتباره “اكتفاءً بالظاهر دون الجوهر”. هذا التبرير لم يصمد طويلًا. الإعلامي عمرو أديب علّق بحدة، معتبرًا التفسير غير مقنع، ومطالبًا بشكل مباشر: “شيلوا صور الوزير من على الجامع”.
بعد تصريح متحدث الأوقاف بأن صور وزير الأوقاف أسامة الأزهري على مسجد السيدة زينب فيها اكتفاء بالظاهر دون الجوهر.. الإعلامي عمرو أديب: تبرير غير مقنع شيلوا صور الوزير من على الجامع#مزيد pic.twitter.com/7e1AIk4vCa
— مزيد - Mazid (@MazidNews) January 11, 2026
منصات إخبارية رصدت الغضب المتصاعد، مؤكدة أن تعليق صور وزير الأوقاف على مسجد السيدة زينب أثار مطالبات بإزالتها ومحاسبة الوزير، باعتبار ما حدث تجاوزًا غير مبرر.
تعليق صور وزير الأوقاف أسامة الأزهري على مسجد السيدة زينب يُثير الغضب في مصر، وسط مطالبات بإزالتها ومحاسبة الوزير pic.twitter.com/uPd3IK5O0J
— شبكة رصد (@RassdNewsN) January 11, 2026
اللافت أن بيان الأوقاف، بدل أن يغلق الملف، زاد الاشتعال. الصحفية رانيا الخطيب اعتبرت أن البيان أكد ضمنيًا أن الوزارة هي من وضعت الصورة “كأن المسجد ملكية خاصة بالوزير والمسؤولين”، محذرة من أن تبرير الواقعة يفتح الباب لتعليق صور أفراد على الجوامع وتحويل الدين إلى تجارة علنية.
بيان الأوقاف بيأكد انهم هما اللي حاطين الصورة على مسجد السيدة زينب كأنه ملكية خاصة بالوزير والمسئولين وبدل ما يشيلوا الصورة بيبرروا وجودها وبكرة يبقى كل جامع متعلق عليه صورة لفرد وتجارة علني بالدين وإنقسام مش مبرر https://t.co/h4c59hmesa
— Rania Elkhateeb (@ElkhateebRania) January 10, 2026
خبراء في الإدارة العامة يرون أن أخطر ما في التبرير ليس الصورة نفسها، بل فكرة التطبيع مع الخطأ، وتحويله إلى سابقة، ما يُضعف مفهوم حياد المؤسسات الدينية ويخلط بين السلطة التنفيذية والفضاء التعبدي.
القداسة في مواجهة “التسييس البصري”: ماذا تكشف الواقعة؟
تحليلات أعمق رأت في الواقعة نموذجًا لما وصفه البعض بـ“التسييس البصري” للمساجد. منصة “إشراف أون لاين” قدّمت قراءة نقدية معتبرة، ربطت بين قدسية المكان وخطورة إدخال رموز السلطة التنفيذية إلى فضائه البصري، معتبرة أن ذلك يُفهم كتجاوز لحياد المسجد وخلط بين السلطة الزمنية والمقام التعبدي.
«حين تتقاطع السلطة مع القداسة: صورة الوزير على جدار مسجد السيدة زينب»
— اشراف اون لاين (@ashrafonlin) January 10, 2026
أثار تعليق صورة وزير الأوقاف على جدران مسجد السيدة زينب في القاهرة تجاذباتٍ حادّة، لأن المكان ليس مسجدًا عاديًا في الوجدان المصري، بل رمزٌ روحي جامع، تتداخل فيه القداسة الدينية بالذاكرة الشعبية والتاريخ… pic.twitter.com/KGKXoECLTB
من زاوية فقهية وأخلاقية، اعتبر ناشطون ومختصون أن التصرف مُدان. حساب باسم بسيوني وصف تعليق صورة الوزير على واجهة وأسوار المسجد بأنه “مُستنكر شرعًا وأخلاقيًا”، مؤكدًا أن المساجد بيوت الله وليست لوحات إعلانية لتعظيم المسؤولين أو الدعاية الشخصية.
وضع صورة الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف على واجهة وأسوار مسجد السيدة زينب -رضي الله عنها- تصرف مُدان ومُستنكر شرعًا وأخلاقيًا، فالمساجد بيوت الله المُخصصة لذكره والتقرب إليه، وليست لوحات إعلانية لتعظيم المسؤولين أو الدعاية الشخصية، وهذا التجاوز يُسيء إلى قدسية المكان pic.twitter.com/gXFPUBk77Q
— Prof.M.I. Bassyouni (@nbassyouni) January 11, 2026
التعليقات الشعبية بدورها حملت سخرية وغضبًا. أحد المستخدمين كتب أن وضع صورة الوزير يفتح الباب نظريًا لوضع صورة أي شخص “طالما بيدفع حوافز”، واصفًا المشهد بـ“أرض النفاق”.
يجوز وضع صورة نتينياهو شخصيا لو كان وزير اوقاف وبيدفع لموظفين الاوقاف حوافز والذى منه
— محمد عبدالله (@fnhOpJuBoXQdLjU) January 11, 2026
😂😂😂😂
ارض النفاق
آخر تساءل بمرارة: هل الوزير تبرع بالمسجد أو بناه حتى تُعلّق صورته؟ واصفًا الأمر بأنه “يدعو للسخرية”.
ممكن حد يفهمني ماذا يعنى تعليق صور وزير ألاوقاف على مسجد السيده زينب هو حضرته
— ❤️نادر محمد 💥مهندس مدنى ❤️18 20 💥 NadR❤️ (@Moshoip3Shoip) January 11, 2026
متبرع به للدوله ولا حضرته هو من قام ببناؤه
والله هذا أمر يدعوا للسخريه ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم يارب https://t.co/8jKAkD7WPQ
خبراء السياسة الدينية يرون أن الأزمة تكشف خللًا أعمق في إدارة العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية. فبدل أن تكون وزارة الأوقاف حارسة للحياد والقداسة، بدت وكأنها تخلط بين الإنجاز الإداري والدعاية الشخصية. الأخطر أن الإصرار على التبرير يوحي بعدم إدراك لحساسية الرموز، ويُضعف ثقة الناس في خطاب رسمي يُفترض أنه يحمي قدسية المساجد لا يستغلها.
في المحصلة، القضية تجاوزت صورة ولافتة. إنها اختبار لاحترام قدسية الفضاء الديني، وحدود ما يجوز وما لا يجوز في زمن تداخل السلطة مع الرموز. إزالة الصور قد تُنهي المشهد بصريًا، لكنها لن تُنهي السؤال الأكبر: هل تتعلم المؤسسات من الغضب الشعبي، أم تُصر على إعادة إنتاج الخطأ باسم “الجوهر”؟

