أعاد فيديو بثّه الإعلامي محمد نصر على يوتيوب، كاشفًا استغاثة سيدة من داخل مركز غسيل كلوي بمنطقة الخرسا في محافظة دمياط، فتح ملف بالغ الخطورة يتعلق بسلامة مرضى الفشل الكلوي، بعد اتهامات صريحة بإعادة استخدام أدوات وأجهزة طبية لأكثر من مرة داخل المركز.
الفيديو، الذي أشار بوضوح إلى شكوى موثقة بالصوت والصورة، أثار موجة غضب وتساؤلات حادة حول الرقابة الصحية، وحدود الإهمال، ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبتت صحة هذه الادعاءات.
القضية لا تتعلق بخطأ إداري بسيط، بل باحتمال تعريض مرضى يعتمدون على الغسيل الكلوي للبقاء على قيد الحياة، لمخاطر عدوى قاتلة. ومع انتشار الفيديو، لم يعد السؤال: هل هناك تجاوز؟ بل: كم مريضًا قد يكون تعرض للخطر قبل أن تخرج هذه الاستغاثة إلى العلن؟
استغاثة على الهواء: اتهام مباشر بإعادة استخدام أدوات غسيل
في الفيديو المشار إليه، نقل محمد نصر استغاثة سيدة أكدت أنها شاهدت داخل مركز غسيل كلوي بالخرسا استخدام أدوات وأجزاء من الأجهزة لأكثر من مريض، دون تغييرها أو الالتزام بقواعد الاستعمال الواحد. الاستغاثة لم تأتِ في صيغة اتهام عائم، بل كنداء عاجل خوفًا على حياة المرضى، خاصة أن غسيل الكلى إجراء دموي مباشر، وأي تهاون في التعقيم قد يؤدي إلى نقل أمراض خطيرة.
اللافت أن السيدة تحدثت عن ممارسات متكررة، لا عن واقعة فردية عارضة، وهو ما يرفع مستوى الخطورة. فمرضى الغسيل يخضعون عادة لثلاث جلسات أسبوعيًا، ما يعني تكرار التعرض لنفس البيئة والأدوات. في حال صحة ما ورد، فإن احتمالات انتقال فيروسات مثل الالتهاب الكبدي الوبائي B وC، أو عدوى بكتيرية شديدة، تصبح مرتفعة للغاية.
الفيديو لم يقدّم حُكمًا نهائيًا، لكنه قدّم قرينة قوية تستدعي التحقيق الفوري. فمجرد الاشتباه في إعادة استخدام أدوات مخصصة للاستعمال الواحد داخل وحدة غسيل كلى كافٍ لدق ناقوس الخطر، لأن العواقب هنا لا تُقاس بالأيام أو الأسابيع، بل بحياة بشر.
رأي الخبراء: إعادة الاستخدام مخالفة جسيمة تهدد الحياة
خبراء أمراض الكلى ومكافحة العدوى يؤكدون أن بروتوكولات غسيل الكلى واضحة وصارمة: الأدوات الملامسة للدم، والمرشحات، والأنابيب المخصصة للاستعمال الواحد، لا يجوز بأي حال من الأحوال إعادة استخدامها. هذه الأدوات تُصمَّم لتُستخدم مرة واحدة فقط، وأي محاولة “تعقيم” لاحقة لا تضمن الأمان، لأن تركيبها المادي لا يسمح بإعادة التعقيم الكامل.
ويشدد خبراء مكافحة العدوى على أن الحديث عن “توفير نفقات” لا يمكن أن يكون مبررًا، لأن تكلفة علاج مريض يُصاب بعدوى منقولة عبر الدم، أو يفقد حياته، تفوق بأضعاف أي توفير مزعوم. الأخطر أن بعض العدوى قد لا تظهر أعراضها فورًا، ما يجعل اكتشاف الكارثة متأخرًا، بعد إصابة عدد أكبر من المرضى.
كما يشير متخصصون إلى أن مريض الغسيل الكلوي يكون في وضع صحي هش، وجهازه المناعي ضعيف، ما يجعله أكثر عرضة للمضاعفات. أي خلل في معايير السلامة داخل وحدة الغسيل لا يُعد مجرد إهمال، بل مخاطرة محسوبة بأرواح لا تملك خيارًا آخر للعلاج.
غياب الرد الرسمي: مسؤولية لا تحتمل الصمت
حتى الآن، لم يصدر رد واضح أو توضيح رسمي مباشر يفنّد أو يؤكد ما ورد في استغاثة السيدة التي عرضها محمد نصر، وهو صمت يزيد من حدة القلق بدل أن يبدده. خبراء في الإدارة الصحية يرون أن التعامل مع مثل هذه الوقائع لا يجوز أن يقتصر على بيانات عامة أو وعود بالمتابعة، بل يتطلب تحركًا فوريًا على الأرض.
الخطوات المطلوبة، بحسب هؤلاء الخبراء، تبدأ بتشكيل لجنة تفتيش عاجلة ومستقلة، تفحص آليات العمل داخل المركز، وسجلات التعقيم، ومخازن الأدوات، مع إيقاف أي ممارسة مشكوك فيها فورًا. كما يشددون على ضرورة إخضاع المرضى الذين تلقوا جلسات خلال الفترة محل الشبهة لفحوصات وقائية، حماية لهم قبل أي شيء آخر.
القضية هنا لا تخص مركز الخرسا وحده، بل تمس الثقة في منظومة غسيل الكلى ككل. فمرضى الفشل الكلوي لا يملكون رفاهية التجربة أو الخطأ، وأي خلل في منظومة الرقابة يعني أن الخطر قد يتكرر في أماكن أخرى دون أن يُكتشف.
في النهاية، استغاثة واحدة كانت كافية لكشف احتمال كارثة صحية. تجاهلها، أو التعامل معها ببطء، قد يحوّل الشك إلى مأساة مؤكدة. غسيل الكلى ليس خدمة اختيارية، بل شريان حياة، وأي عبث به، إهمالًا كان أو تقصيرًا، هو جريمة في حق المرضى لا تقبل التأجيل ولا التساهل.

