رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لا تزال آلة الحرب الإسرائيلية تحصد أرواح المدنيين في قطاع غزة، في مشهد يعكس هشاشة الهدنة واستمرار سياسة الاستهداف الممنهج للسكان، وسط تصاعد أعداد الشهداء والجرحى، وانهيار متسارع للأوضاع الإنسانية.
وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 14 شهيدًا، بينهم خمسة أطفال، إضافة إلى 17 إصابة، جراء غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار مباشر نفذته قوات الاحتلال في مناطق متفرقة من القطاع، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية.
وأكدت الوزارة، في تقريرها الإحصائي الصادر اليوم الجمعة، أن عددًا من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، نتيجة العجز الكبير الذي تعانيه طواقم الإسعاف والدفاع المدني في الوصول إلى مواقع الاستهداف، بسبب استمرار القصف وخطورة الأوضاع الميدانية.
غارات ليلية ومجازر بحق النازحين
وشهدت ساعات الليل الماضية تصعيدًا خطيرًا، حيث استهدفت طائرات الاحتلال منزلًا لعائلة المجدلاوي في منطقة بلوك C بمخيم النصيرات وسط القطاع، ما أدى إلى إصابة ثلاثة مواطنين. كما قصفت طائرات الاحتلال بركسًا ومنزلًا في منطقة عسقولة بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد أربعة مواطنين وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.
وفي السياق ذاته، شنت الطائرات الحربية غارات على مدينة دير البلح، وعلى منزل في مخيم البريج وسط القطاع، بالتزامن مع قصف مدفعي طال شارع السكة في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، ما تسبب بحالة من الذعر بين السكان، خاصة في المناطق المكتظة بالنازحين.
خيام النازحين هدف مباشر
وفي واحدة من أكثر الجرائم دموية، استشهد أربعة مواطنين، بينهم ثلاثة أطفال، إثر انفجار طائرة مسيّرة للاحتلال داخل خيمة تؤوي نازحين في شارع خمسة بمنطقة مواصي خان يونس جنوب القطاع. والشهداء هم الشقيقان عبد الله وعمر الحسين محمد العبادلة، والطفلة ليان عمر أبو شقرة، إضافة إلى استشهاد المواطن صالح عبد الله القصاص، الذي قضى إثر إلقاء طائرة مسيّرة قنبلة على مجموعة من المواطنين في منطقة الشيخ ناصر شرق خان يونس.
كما أدى استهداف خيمة للنازحين في محيط منطقة العطار بمواصي خان يونس إلى استشهاد المواطن كمال عبد الرحمن محمد عواد (43 عامًا)، وإصابة ثلاثة آخرين بجروح خطيرة، في وقت استشهد فيه المواطن أحمد حماد، وأصيب عدد من المواطنين، جراء قصف خيمة أخرى تؤوي نازحين غرب برج فيصل جنوب بلدة الزوايدة وسط القطاع.
أطفال تحت النار شمالًا
وفي شمال قطاع غزة ومدينة غزة، تواصلت الانتهاكات بحق المدنيين، حيث أسفر إطلاق نار مباشر من جيش الاحتلال في منطقة الفالوجا غرب مخيم جباليا عن استشهاد الطفلة همسة نضال سمير حوسو (11 عامًا). كما أدى قصف مدرسة أبو حسين، التي تؤوي نازحين في مخيم جباليا، إلى استشهاد المواطن إبراهيم صبح وإصابة أربعة آخرين.
وفي مشروع بيت لاهيا، أصيب ثلاثة مواطنين جراء قصف مدرسة خليفة، بينما أُصيب مواطن بجروح خطيرة إثر استهداف آليات الاحتلال تجمعًا للمواطنين عند مفترق الكويت شرق حي الزيتون شرقي مدينة غزة.
أرقام صادمة منذ التهدئة
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ إجمالي عدد الشهداء منذ 11 أكتوبر 2025، تاريخ دخول التهدئة حيّز التنفيذ، 439 شهيدًا، إضافة إلى 1223 مصابًا بجروح متفاوتة. كما تمكنت الطواقم الطبية من انتشال جثامين 688 شهيدًا من تحت الأنقاض في مختلف مناطق القطاع، في ظل ظروف بالغة الصعوبة.
أما الحصيلة التراكمية لضحايا حرب الإبادة المتواصلة منذ السابع من أكتوبر 2023، فقد ارتفعت إلى 71,409 شهداء، و171,304 إصابات، بينها آلاف الحالات الخطيرة والحرجة، في واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الحديث.
1193 خرقًا لوقف إطلاق النار
من جانبه، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الاحتلال ارتكب 1193 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار، منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وحتى اليوم، خلال 90 يومًا فقط.
وأوضح المكتب أن هذه الخروقات شملت 384 جريمة إطلاق نار مباشر ضد المدنيين، و66 عملية توغل عسكري داخل المناطق السكنية، و551 جريمة قصف واستهداف للمواطنين ومنازلهم، إضافة إلى 192 عملية نسف وتدمير لمنازل ومؤسسات وبنايات مدنية.
وأكد أن هذه الانتهاكات أسفرت عن استشهاد 484 مواطنًا، وإصابة 1206 آخرين، فضلًا عن تنفيذ 50 حالة اعتقال تعسفي بحق مدنيين.
تجويع ممنهج وانهيار إنساني
وأشار المكتب الإعلامي إلى أن الاحتلال لم يلتزم ببنود البروتوكول الإنساني، حيث لم يدخل إلى القطاع خلال 90 يومًا سوى 23,019 شاحنة مساعدات من أصل 54,000 شاحنة كان من المفترض دخولها، بنسبة التزام لم تتجاوز 43%. كما لم تتجاوز شاحنات الوقود التي دخلت القطاع 539 شاحنة من أصل 4,500 شاحنة مقررة، بنسبة التزام تقارب 11% فقط.
وأوضح أن هذا النقص الحاد أدى إلى شبه شلل في المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي، وفاقم من معاناة السكان، في وقت تعمد فيه سلطات الاحتلال إدخال مواد غذائية منخفضة القيمة، ومنع إدخال المواد الأساسية، في سياسة وصفها المكتب بأنها “هندسة ممنهجة للتجويع والتعطيش”.
شتاء قاسٍ وخيام متهالكة
وحذر المكتب من تفاقم الكارثة الإنسانية مع دخول فصل الشتاء، في ظل منع إدخال البيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء، ما أدى إلى انهيار أكثر من 50 منزلًا متضررًا سابقًا، واستشهاد وإصابة عشرات المواطنين بعد لجوئهم إليها.
كما سُجلت وفيات نتيجة البرد الشديد داخل خيام النازحين، خاصة بعد خروج أكثر من 127 ألف خيمة عن الخدمة، وعدم صلاحيتها لإيواء أكثر من 1.5 مليون نازح، ما ينذر بموجة وفيات جديدة إذا استمر هذا الوضع.
دعوات لتحرك دولي عاجل
وفي ختام بيانه، حمّل المكتب الإعلامي الحكومي، الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التدهور الإنساني، ودعا الولايات المتحدة والجهات الراعية للاتفاق، والوسطاء، والأمم المتحدة، إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، وإلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته كاملة، وضمان حماية المدنيين، وتأمين تدفق فوري وآمن للمساعدات الإنسانية والوقود، وإدخال مواد الإيواء، لإنقاذ ما تبقى من حياة في قطاع غزة المنكوب.

