عادت آلة الحرب الإسرائيلية لتضرب بقسوة خيام النازحين في قطاع غزة، عقب خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان قائمًا مؤخرًا، ما أسفر عن سقوط شهداء جدد وفتح فصل أكثر دموية في معاناة المدنيين.
مصادر طبية أفادت بارتفاع عدد الشهداء إلى 18 خلال ساعات، نتيجة غارات استهدفت مواقع إيواء مؤقتة في مناطق متفرقة من القطاع، وسط ارتباك في الإحصاءات بسبب كثافة القصف وصعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة.
وبينما تتبدل الأرقام لحظيًا، تبقى الحقيقة ثابتة: المدنيون يدفعون الثمن الأكبر في حرب تُدار فوق رؤوسهم.
خرق التهدئة وتصعيد واسع النطاق
تشهد أراضي غزة تصعيدًا عسكريًا متسارعًا منذ خرق اتفاق التهدئة، مع تزامن القصف الجوي والبري والبحري، ما أدى إلى سقوط أعداد متزايدة من الضحايا المدنيين، بينهم أطفال ونساء. الغارات الأخيرة ركزت على مناطق مأهولة ومحيط خيام نُصبت لإيواء نازحين فرّوا أصلًا من مناطقهم هربًا من القصف، في مفارقة تُظهر هشاشة أي “ملاذ آمن” داخل القطاع المحاصر.
تقارير طبية أولية تشير إلى أن عدد الشهداء والجرحى مرشح للارتفاع، في ظل استمرار القصف وتعذر وصول فرق الإسعاف والإنقاذ إلى بعض المواقع. فالقذائف المتلاحقة تمنع طواقم الطوارئ من العمل، وتُبقي مصابين تحت الأنقاض لساعات طويلة، ما يضاعف الخسائر البشرية. هذا الواقع يُعيد طرح سؤال جوهري حول جدوى اتفاقات التهدئة الهشة، التي تنهار سريعًا دون ضمانات أو آليات رقابة فاعلة.
خيام النازحين تحت النار: انتهاك مضاعف
استهداف خيام النازحين يضيف طبقة جديدة من الخطورة إلى المشهد الإنساني. فهذه الخيام أُقيمت في مناطق يفترض أنها أقل خطورة نسبيًا، لكنها تحولت إلى أهداف مباشرة، وفق ما تؤكده شهادات طبية وميدانية. وتشير مصادر صحية إلى أن كثيرًا من الضحايا سقطوا قرب مواقع إيواء مؤقتة، ما يثير تساؤلات جدية حول الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب.
النازحون في غزة يعيشون أصلًا على حافة البقاء: افتقار إلى المياه النظيفة، نقص الغذاء، غياب الخصوصية، وانتشار الأمراض. ومع عودة القصف، تتلاشى آخر أشكال الاستقرار النسبي، ويُدفع آلاف آخرون إلى نزوح جديد داخل مساحة جغرافية ضيقة.
هذا “النزوح داخل النزوح” يفاقم الصدمات النفسية، ويضع العائلات أمام خيارات مستحيلة بين البقاء تحت النار أو الترحال دون وجهة آمنة.
حصار خانق ونظام صحي على شفا الانهيار
يتزامن التصعيد مع استمرار الحصار المشدد، ما يضرب مباشرة قدرة القطاع الصحي على الاستجابة. المستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية، مع تراجع إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل المولدات وأقسام العناية المركزة. ومع كل غارة، تتكدس الإصابات فوق طاقة الاستيعاب، وتُجرى عمليات إسعاف في ظروف قاسية، أحيانًا دون تخدير كافٍ أو معدات أساسية.
كما تتفاقم أزمة المياه والغذاء، إذ تعيق القيود المشددة دخول المساعدات الحيوية، فيما تتزايد الحاجة إلى سلال الإغاثة، خاصة للنساء والأطفال وكبار السن. مصادر طبية تؤكد أن ارتفاع عدد الشهداء عقب خرق التهدئة لا يعود فقط إلى استهداف مواقع عسكرية، بل إلى قصف مناطق مدنية ومحيط خيام النازحين، وهو ما يضاعف الأثر الإنساني ويقوض أي حديث عن “دقة” العمليات.
ردود دولية ومطالبات بوقف شامل لإطلاق النار
على الصعيد الدولي، تجددت المطالبات بوقف إطلاق نار شامل ومستدام، وفتح ممرات آمنة لإدخال المساعدات وحماية المدنيين. منظمات حقوقية حذّرت من أن استمرار القصف في مناطق الإيواء يُعد انتهاكًا خطيرًا، ودعت إلى تحقيقات مستقلة، وإلى ضمان وصول فرق الإغاثة دون عوائق. غير أن هذه النداءات غالبًا ما تصطدم بعجز سياسي عن تحويل الإدانات إلى إجراءات ملزمة.
في المقابل، تُصر إسرائيل على روايتها الأمنية، بينما تؤكد أطراف فلسطينية أن خرق التهدئة ووتيرة القصف يقوضان أي فرصة لخفض التصعيد، ويُدخلان القطاع في حلقة عنف جديدة. وبين هذا وذاك، يبقى المدنيون وحدهم في مواجهة النتائج المباشرة.
أرقام متغيرة… ومعاناة ثابتة
تؤكد المصادر الطبية أن حصيلة الشهداء والجرحى متغيرة لحظيًا، بسبب صعوبة الوصول إلى كل المواقع المتضررة، وانهيار أجزاء من البنية التحتية. ومع كل ساعة، تُضاف أسماء جديدة إلى قوائم الضحايا، بينما تُمحى عائلات كاملة من السجلات. هذا التبدل في الأرقام لا يُخفي ثبات المعاناة، ولا يقلل من جسامة الخسائر الإنسانية.
الواقع الميداني في غزة اليوم يُظهر أن أي تهدئة غير محمية بضمانات واضحة وتدفق إنساني كافٍ، تظل قابلة للانهيار في أي لحظة. ومع استهداف خيام النازحين، يتأكد أن خطوط الحماية للمدنيين باتت شبه معدومة، وأن الحاجة باتت ملحة لوقف شامل لإطلاق النار، لا يكتفي بإيقاف القصف، بل يضمن معالجة جذور الأزمة الإنسانية.
الخلاصة: غارات استهدفت خيام النازحين عقب خرق التهدئة أعادت غزة إلى قلب العاصفة، مع شهداء جدد ومعاناة تتفاقم تحت الحصار. وبين تصعيد عسكري، ونظام صحي يترنح، ونداءات دولية لا تجد طريقها للتنفيذ، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف.
إن وقفًا شاملًا ومستدامًا لإطلاق النار، مع فتح الممرات الإنسانية وحماية مواقع الإيواء، لم يعد مطلبًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة إنسانية عاجلة لإنقاذ ما تبقى من أرواح وأمل في قطاع محاصر.

