يُظهر واقع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة نمطًا متكررًا من الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها السلطات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، في ظل غياب شبه كامل للمساءلة الفعلية. فبين 1 يناير 2017 و30 سبتمبر 2025، فتحت السلطات الإسرائيلية 112 تحقيقًا فقط في انتهاكات بحق الفلسطينيين، لم تُسفر إلا عن إدانة واحدة، وهو رقم يعكس خللًا بنيويًا في منظومة العدالة، ويثير تساؤلات خطيرة حول جدية هذه التحقيقات واستقلاليتها.

 

بالتوازي مع ذلك، لا يزال آلاف الفلسطينيين محتجزين تعسفيًا، معظمهم تحت ما يُعرف بـ”الاحتجاز الإداري”، دون تهمة أو محاكمة، في مخالفة صريحة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 

التحقيقات الإسرائيلية… أداة لطمس الحقيقة لا لتحقيق العدالة

 

تشير الأرقام المتعلقة بالتحقيقات التي فتحتها السلطات الإسرائيلية إلى فجوة هائلة بين حجم الانتهاكات المرتكبة على الأرض ونتائج المساءلة.

فإدانة واحدة فقط خلال ما يقارب تسع سنوات توضح أن هذه التحقيقات غالبًا ما تكون شكلية، تهدف إلى امتصاص الضغوط الدولية أكثر من سعيها لكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا.

 

منظمات حقوقية دولية ومحلية أكدت مرارًا أن آليات التحقيق الإسرائيلية تفتقر إلى الاستقلالية، كونها تُدار من داخل المنظومة العسكرية والأمنية نفسها المتهمة بارتكاب الانتهاكات.

هذا الواقع يُسهم في تكريس الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار الانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين، سواء خلال العمليات العسكرية أو في سياق سياسات القمع اليومية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

وفي هذا السياق، شدد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، على أن استمرار هذا النمط من التحقيقات غير المجدية يقوّض الثقة في سيادة القانون، داعيًا إلى إصلاح جذري يضمن المساءلة الحقيقية، أو اللجوء إلى آليات دولية مستقلة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.

 

الاحتجاز الإداري… عقوبة بلا جريمة

 

يُعد الاحتجاز الإداري أحد أكثر السياسات الإسرائيلية إثارة للجدل، إذ يسمح باحتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة دون توجيه تهم أو تقديمهم لمحاكمة، استنادًا إلى “ملفات سرية” لا يُسمح للمحتجز أو لمحاميه بالاطلاع عليها.

ووفق تقارير حقوقية، فإن آلاف الفلسطينيين، بمن فيهم أطفال ونساء، مرّوا بتجربة الاحتجاز الإداري خلال السنوات الأخيرة.

 

هذه السياسة لا تنتهك فقط الحق في الحرية والأمان الشخصي، بل تقوّض أيضًا أبسط معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في القانون الدولي.

وقد اعتبر خبراء قانونيون أن الاستخدام الواسع للاحتجاز الإداري يشكّل أداة للضغط الجماعي، ويُستخدم لكبح أي نشاط سياسي أو اجتماعي فلسطيني، بدلًا من كونه إجراءً استثنائيًا كما تدّعي السلطات الإسرائيلية.

 

وطالب فولكر تورك بإلغاء هذه السياسة فورًا، معتبرًا أنها تمثل شكلًا من أشكال العقاب الجماعي، ودليلًا على وجود منظومة قانونية تمييزية تُطبّق على الفلسطينيين دون غيرهم.

 

الاستيطان وفرض الأمر الواقع في الأراضي المحتلة

 

في موازاة الانتهاكات الفردية، تواصل السلطات الإسرائيلية سياسات بنيوية تُكرّس السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وعلى رأسها التوسع الاستيطاني.

فقد صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت) مؤخرًا على خطة لإنشاء 19 مستوطنة جديدة، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها ترسيخ لسياسة فرض الأمر الواقع، وتوسّع غير مسبوق في البناء الاستيطاني منذ سنوات.

 

وقد أدانت هذه الخطوة 14 دولة، من بينها فرنسا وبريطانيا وكندا واليابان، معتبرة أنها تقوّض فرص السلام، وتنتهك بشكل صارخ القانون الدولي.

فالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تُعد غير شرعية بموجب قرارات الأمم المتحدة، إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة واصلت تجاهل هذه القرارات والمضي قدمًا في خطط التوسع.

 

ودعا تورك السلطات في إسرائيل إلى إنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك تفكيك جميع المستوطنات وإخلاء المستوطنين، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مؤكدًا أن السلام العادل والدائم لا يمكن أن يتحقق في ظل سياسات التمييز والاستعمار الاستيطاني.

 

خاتمـــة

 

تكشف المعطيات المتعلقة بالتحقيقات، والاحتجاز الإداري، والتوسع الاستيطاني عن صورة متكاملة لمنظومة انتهاكات ممنهجة بحق الفلسطينيين، تُدار في ظل غياب المساءلة الدولية الفاعلة.

 

وبينما تتزايد الإدانات والتحذيرات، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه المواقف إلى إجراءات عملية تضمن حماية المدنيين، وإنهاء سياسات التمييز، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وفقًا لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.