محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

لو افترضنا أن عبد الفتاح السيسي سيغادر الرئاسة فعلًا في 2030، وأن بهلوانيات "الدستور ليس قرآنًا"، و"الشعب يريد الرئيس"، وغيرها، مجرد "دبدبة" مصدرها رعب أصحابها من مصائرهم. فهل يحتمل البلد استمرار السيسي حتى 2030؟

 

تخبرنا جلسات منتدى مصر 2026 أن السيسي لا تغيّره نتائج سياساته، فالمشكلة ليست في خيالاته ولكن في الواقع الذي يُكذّبها، الواقع ليس على مستوى الرئيس، ولذلك لن يغير الرئيس شيئًا، بل لن يجيب على شيءٍ من أسئلة الواقع، لأن من يسأل الرئيس لو كان "مذاكر" ما سأل الرئيس، هذه كلماته، عباراته، حجاجاته، ولولا أنها موجودة ومسجّلة على الهواء وعلى "يوتيوب" ما صدق أحد أن أي أحد يمكنه أن يقول هذا، فما بالك أنه يقول وينفذ، ولديه من السلطات ما يسمح بتحويل ذلك كله إلى إجراءاتٍ تتجاوز فرض السياسات إلى القبض على كل من يعارضونها وسجنهم وتغريمهم وإغلاق صحفهم وإطلاق التيوس المستعارة والكتائب الإلكترونية للخوض في أعراضهم الوطنية والشخصية ووصف انتقاداتهم ومراجعاتهم وتصويباتهم بالخيانة والجاسوسية، والأخونة (من باب الاحتياط)، والعمل مع قوى أجنبية غربية وإقليمية للحيلولة دون أن يكمل الرئيس مشروعه "الوطني". 

 

لن يتغير الرئيس، ولن يستطيع الواقع أن يجاري عبقرية فخامته. وبناء عليه، لا يعني استمراره أربع سنوات أخرى سوى استمرار السياسات نفسها وتراكم أثمانها. فمن يغيّرها؟ برلمان تفويض الرئيس "طبقًا لتوجيهات جلالة الملك سلمان وولي عهده"، أم صحافة وإعلام "الكريملم"، أم معارضة يُراد لها أن "تختار" بين السجن والتشريد والخرس؟

 

فوائد الديون وحدها تلتهم نحو 2.4 تريليون جنيه في موازنة 2026/2027، أي ما يقارب نصف المصروفات. وحتى صندوق النقد الدولي، الذي تحتفي الحكومة بشهاداته، يحذر من استمرار المخاطر المرتبطة بارتفاع الدين وضخامة الاحتياجات التمويلية. فما الذي يعنيه استمرار السيسي -سياساته وأولوياته وحكومته التي تحتاج إلى من يجبر بخاطرها أربع سنوات أخرى؟

 

الإجابة: مزيد من الديون، مزيد من بيع الأرض والأصول والشواطئ لتسديد أقساط الديون، بشروط تتجاوز الاستثمار إلى نزع السيادة، مزيد من غلاء الأسعار، مزيد من انهيار قيمة الجنيه ومعه "شقا العمر" من مدخرات الناس، مزيد من الأعمار المهدرة في السجون، والأبناء الذين يكبرون خلف الزجاج، مزيد من الانقسامات والمرارات الاجتماعية بين المنكوبين من أهل مصر، والمستفيدين من سكان "Egypt"، مزيد من خطابات الدجل والشعوذة وسوق الهبل على الشيطنة، في الدين وفي السياسة وفي الإعلام وفي المجال العام، تلك التي أفقدت المصريين مناعتهم النقدية "الفطرية"، وأفقدت المتعلمين منهم أعصابهم وأنهكتهم، وجعلتهم قابلين لأن يُفعل بهم أي شيء، وكل شيء، ما داموا قادرين على تعاطي مثل هذه الخطابات ثم الاستمرار على قيد الحياة، بأي صيغة.

 

أربع سنوات؟ ... تبدو مدة قصيرة في حسابات من يحكم، ومن يستفيد، وربما من يشاهد من بعيد، لا يضرّه سوى ابتعاده، لكنها ليست كذلك في حسابات سجين ينتظر حريته، أسرته، أمه، زوجته، أولاده، ليست كذلك في حسابات أب يحسب ما تبقى من راتبه قبل أن ينتصف الشهر، حتى لا ينكسر أمام عياله، ليست كذلك في حسابات شباب توقفت حيواتهم تمامًا، حتى يعبر من فوقها المونوريل، ويتطاول عليها بنيان أكبر جامع وكنيسة وسارية علم، وتحيط بها القصور الرئاسية من كل جانب، لا عمل ولا زواج ولا فرصة ولا أفق ولا شيء.

أربع سنوات بالنسبة إلى هؤلاء "عُمر"، فما يمر على الرئيس احتفالات وافتتاحات وتصفيقات وتهليلات، يمر على هؤلاء من أعمارهم، وهم لا يملكون غيرها ليجربوا مع رئيس عبقري آخر.

 

كل سنة يمدّدها الحاكم في سلطته، يقضيها المحكوم من عمره. وللسلطة دائمًا وقت إضافي تطلبه، ومشروع لم يكتمل، وعدو متآمر يمنعها من الإنجاز. أما الناس فلهم حياة واحدة، وأبناء يكبرون، وأحبة يرحلون وأحلام تشيخ. ومن يطلب منهم الصبر حتى ينتهي من إنقاذ الوطن، عليه أن يجيبنا: لمن ينقذه إذا ضيع أهله؟