مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

استيقظ المصريون صبيحة يوم 21 مارس 2022 على قرارات صادمة أبرزها تعويم قيمة الجنيه وخفض سعره بشكل حاد، صاحب القرار زيادة كبيرة في سعر الفائدة وإطلاق أوعية ادخارية جديدة واستثنائية بعائد مرتفع بلغ 18% من قبل أكبر بنكين حكوميين هما الأهلي المصري ومصر، وفي أكتوبر 2022 تعرض المصريون لصدمة أخرى تمثلت في تعويم ثانٍ للجنيه خلال العام نفسه.

 

وتلاحقت التعويمات للعملة بعد ذلك، تعويم رابع في يناير 2023 أسفر عن حدوث تراجع إضافي للعملة حين قفز سعر الدولار رسميًا ليقارب 31 جنيهًا، وبعدها التعويم الخامس في 6 مارس 2024 صاحبه قرار استراتيجي للبنك المركزي بترك سعر الصرف لقوى العرض والطلب بالتزامن مع رفع كبير لأسعار الفائدة، ليصل سعر الدولار وقتها إلى نحو 50 جنيهًا وربما أكثر في بعض الأيام، وأسفرت التعويمات الخمسة التي بدأ أولها في أكتوبر 2016 عن فقدان الجنيه نحو 90% من قيمته على مدى عقد كامل.

 

كانت هناك أسباب عدة وراء تلك التعويمات المتلاحقة للعملة المصرية منذ عام 2022، إذ أسفرت الحرب الروسية الأوكرانية والتطورات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين وقتها في الضغط على موارد النقد الأجنبي ودفع الأموال الساخنة نحو الهروب من مصر، حيث شهدت البلاد في الربع الأول من هذا العام موجة خروج حادة لاستثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية وأذون الخزانة قدرت بنحو 22 مليار دولار.

 

كما ضغطت قفزة أسعار الحبوب والأغذية والوقود في الأسواق العالمية على الموازنة المصرية باعتبار أن مصر تعد من أكبر مستوردي القمح في العالم، وزادت وارداتها من الغاز والبنزين والسولار والغاز وغيرها من مشتقات الوقود مع تهاوي إنتاج حقل ظُهر الواقع شرق البحر المتوسط.

 

وخلال العام الجاري 2026 تكرر المشهد ولكن بشكل أقل حدة، فوفق التقديرات فإن الحرب على إيران سبّبت خروج أموال ساخنة من مصر تقدر بنحو 15.8 مليار دولار خلال أول شهر من اندلاعها، لتتراجع إلى 36.04 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، قبل أن تعاود الارتفاع بقوة خلال الأشهر الثلاثة التالية، لتسجل أعلى مستوى لها على الإطلاق بنهاية يونيو الماضي عندما قفزت إلى 55.1 مليار دولار مع عودة التدفقات الدولارية والأموال الساخنة.

 

لكن في أكتوبر 2026 عادت وتيرة هروب الأموال الساخنة للارتفاع حيث قدّر بنك "ستاندرد تشارترد" البريطاني حجم الأموال الساخنة التي خرجت من مصر بنحو 15 مليار دولار، مقارنةً بأعلى مستوى بلغته هذه الاستثمارات، وخلال أكتوبر الماضي وحده سجل المستثمرون الأجانب صافي خروج بنحو 3.5 مليارات دولار، وفقًا لأرقام البورصة المصرية.

 

وأسفرت عملية الهروب تلك للأموال الساخنة إلى فقدان الجنيه نحو 7% من قيمته مقابل الدولار خلال شهر أكتوبر، وتراجع العملة المحلية إلى أدنى مستوى تاريخي لها، متجاوزة 56 جنيهًا للدولار مع زيادة الضغوط على سعر الصرف الأجنبي، وعلى أثر هذا التراجع عاد البنك المركزي المصري إلى سلاح رفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ مارس 2024، بهدف كبح التضخم ودعم العملة وسحب السيولة الزائدة من الاسواق.

 

وهنا نطرح السؤال المنطقي: هل سيعقب رفع سعر الفائدة الأخير وهروب الأموال الساخنة تعويم جديد للجنيه كما جرى في السنوات 2016 و2022 و2023 و2024؟

 

الإجابة لا والتعويم مستبعد في الوقت الحالي، لعدة أسباب أبرزها اختفاء السوق السوداء للعملة منذ سنوات، وهي التي كانت تضغط بقوة على سوق الصرف الأجنبي، واختفاء المضاربات المحمومة في سوق الصرف، وعدم وجود طلب قوي على الدولار من قبل التجار والمصنعين خاصة مع حالة الركود الضخمة التي تمر بها السوق المصرية، وزيادة بعض الأنشطة المدرّة للإيرادات الدولارية وفي مقدمتها تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وتوافر احتياطي لدى البنك المركزي يفوق 57 مليار دولار، وهو احتياطي كافٍ لمواجهة أي مضاربات غير منطقية على العملة، والأهم هو تطبيق البنك المركزي سياسة مرونة سوق الصرف وعدم استخدام الاحتياطي في دعم قيمة العملة المحلية.

 

لكن في المقابل، فإن هناك عوامل قوية لا تزال تضغط بقوة على الجنيه المصري وفي مقدمتها، أعباء ديون خارجية تفوق 61 مليار دولار خلال عام وفق تقديرات البنك الدولي، وعجز في الميزان التجاري فاق 64 مليار دولار في آخر عام مالي، وفاتورة واردات ضخمة من الطاقة والأغذية والسلع الضرورية والمواد الخام والسلع الوسيطة، حيث تشير التقديرات إلى أن فاتورة واردات مشتقات الوقود وحدها تبلغ نحو 42.4 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعادل 25% من إجمالي الواردات السلعية، وتتجاوز إيرادات قناة السويس بأكثر من سبعة أضعاف، وتزيد على إيرادات السياحة بما يقارب مرتين ونصف، وتقترب الفاتورة من تحويلات المغتربين، كما تعادل نحو 75% من اجمالي احتياطي النقد الأجنبي.

 

هذا هو الخطر الأكبر على الجنيه المصري والذي يجب على السلطات المسؤولة التعامل معه بجدية قبل أن ينفجر في وجه الجميع.