جيرار ديب

كاتب وأستاذ جامعي لبناني

 

وجه وزير الشتات الإسرائيلي، عميخاي شكيلي، بعد نتائج انتخابات الكنيست التي أحرز فيها عرب الداخل 19 مقعدًا، اتهامات إلى المفكر العربي، عزمي بشارة، بالوقوف وراء ما حدث، واصفًا إياه بأنه "الشخصية المفتاحية" في القضية.

 

لم يتأخّر ردّ بشارة في حوار أجراه معه تلفزيون العربي، مساء الجمعة الماضي. حيث قرأ نتائج الانتخابات، وجاء على الحملة التي شنتها على قطر وعليه أوساط صهيونية توقفت عند نتيجة المشاركة القياسية للمواطنين العرب، والتي يعود إليها الفضل في منع بنيامين نتنياهو ومعسكره من حصد الغالبية الضرورية لتشكيل حكومة. وقد توقف أمام نسبة التصويت التي بلغت 80% لدى المواطنين العرب، ورأى أنها ما منعت نتنياهو من تحقيق غالبية الـ61 مقعدًا الضرورية لتشكيله حكومته.

 

أصاب بشارة في ردّه وفي قراءته نتائج الانتخابات التي حصل فيها العرب أول مرة في تاريخ تأسيس هذا الكيان على 19 مقعدًا، ما أثار موجة من غضب واستياء في أوساط اليمين الإسرائيلي، ولا سيما حزب الليكود، فالفلسطيني لا يحتاج إلى أي تدخل لأداء أبسط واجب يخدم فيه القضية، وهو انتخاب من يستطيع الوقوف أمام مشروع هذا اليمين الإسرائيلي الذي يريد دفن القضية الفلسطينية، وفرض الاحتلال على كل أراضي فلسطين.

 

يعيش الشارع الإسرائيلي اليوم حالة من الضياع السياسي، بعدما رسّخ الصوت العربي الناخب واقعًا أحدث صدمة لكل من معسكر اليمين المتطرّف نتنياهو واليمين الوسطي غازي أيزنكوت، الأمر الذي فتح مستقبل تشكيل الحكومة على أكثر من سيناريو؛ إذ لا يستطيع أيٌّ من المعسكرين تشكيل حكومته خارج المعسكر العربي. ويبدو أن لا تقدّم في شكل الحكومة "الوحدة الوطنية" التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث يترأسها نتنياهو عاميْن يعمل فيهما على تنظيف سجله القضائي ويسلمها إلى أيزنكوت.

 

لن ندخل في النقاش المستقبلي لأي حكومة ستكون، إن كان الأمر سيذهب إلى انتخابات جديدة أم سيستغل نتنياهو حالة الضياع هذه ويدخل في حرب جديدة في أكثر من ساحة؛ لأنّ الأبرز هنا هو ما توقف عنده بشارة من جهة عدد المقاعد والصوت العربي المشارك، فهذا كافٍ للتأكيد أن القضية الفلسطينية عند عرب 1948 لم تزل حاضرة في الوجدان وفي الصوت الانتخابي، وأن هذه الصدمة لدى الإسرائيلي سبق أن عاش مثيلًا لها في الانتفاضة الأولى عام 1987 عندما فوجئ من كان في السلطة يومها أن من شارك فيها هم أبناء عرب 48.

 

عملت الحكومات الإسرائيلية على مدى أكثر من 70 عامًا على طمس القضية، تحديدًا عند من تطلق عليهم عرب 48 والذين أصبحوا يعيشون داخل الكيان بعد النكبة الفلسطينية، حيث رفضوا المغادرة وترك ممتلكاتهم. لم تبخل إسرائيل وخلفها الصهيونية العالمية من العمل على مسح الهوية والقضية من خلال تقديم الإغراءات حينًا والعمل على ترهيبهم حينًا آخر، إلا أنه أمام كل استحقاق يكون فيه للقضية الفلسطينية خطر الضياع يظهر فيه هؤلاء التمساك والانتماء إلى وطن سيعيدونه يومًا.

 

المشكلة تكمن في عدم فهم الإسرائيلي الذهنية الفلسطينية، فعلى مدى عقود، وهي تمارس القتل والترهيب، معتقدةً أن هذا من يجعلها تحقق أهداف استيطانها. لهذا ما على الإسرائيلي فعله قراءة النتائج الحالية، وعدم السماح للتطرّف القائم والمتمثل في أحزاب اليمين المتطرّف بالذهاب بعيدًا في تشكيل "حكومة يهودية قومية"، لأنّ هذا سيزيد الفلسطيني من التمسّك أكثر في قضيته، وسيزيد عزلة إسرائيل عالميًّا، بعدما باتت القضية الفلسطينية "معولمة"، أي لن يستطيع أحد أن يحاصرها أو يعمل على إلغائها.

 

نتائج هذه الانتخابات وفي ظلّ حصول العرب فيها على نسبة عالية يجب أن تشكّل فرصة ربما لا تأتي مرّتين أمام إسرائيل، وهي تشكيل حكومة مطعمة بالمعسكر العربي وتأخذ خيار حل الدولتين حلًّا منطقيًا يستطيع أن يعيد مكانة إسرائيل عالميًا، ويفتح المجال أمام إسرائيل لمزيد من السلام ضمن المحيط العربي والإسلامي.

 

لهذا، وبدل التوقف على رمي التهم من المتصهينين، على حكماء إسرائيل (إن وجدوا) إعادة قراءة أكثر منطقية وعقلانية لهذه النتائج، وإدراك أن الاستمرار في سياسات القتل والإبادة والاعتداءات لن تنفع. المشكلة إن كان يحدّدها نتنياهو عند من يقاوم مشروعه فهو يوارب الحقيقة، لأنّه يدرك، كما غيره، أن العائق الرئيسي لقيام دولة إسرائيل الكبرى التموضع العسكري الكبير والانتشار الواسع للقواعد الأميركية في المنطقة. لهذا يتضح ما يسعى إليه نتنياهو دائمًا، وهو توريط ترامب في حروب في المنطقة، من أجل إضعاف النفوذ وتسهيل قيام مشروع إسرائيل الكبرى، فهل سيتعظ الإسرائيلي من هذه القراءة أم سيظل يعيش حالة الإنكار واتهام الآخر بتهم هي في الواقع أوسمة شرف على صدر كل من يخدم القضية؟