تضرب موجة نزوح عنيفة لأموال الأجانب أسواق الدين المحلية في مصر، مسجلة خروج ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار خلال شهر أكتوبر وحده، بما يعري خطورة الارتهان للتدفقات النقدية قصيرة الأجل.
وبالتوازي مع ذلك، تتهاوى قيمة العملة المحلية تحت وطأة هذا الهروب الجماعي، ليتجاوز سعر الصرف ستة وخمسين جنيها للدولار للمرة الأولى تاريخيا، وسط عجز رسمي عن كبح الانهيار المتسارع.
قفزات قياسية لنزيف الأموال الساخنة
وفي هذا السياق، أظهرت بيانات البورصة المصرية تحولا دراماتيكيا في سلوك المستثمرين الأجانب، حيث قفز صافي مبيعاتهم لأذون الخزانة بنسبة ثلاثمئة وثلاثة وعشرين بالمئة خلال شهر أكتوبر مقارنة بشهر سبتمبر.
وعلى صعيد متصل، كانت التعاملات قد سجلت خروجا بنحو ثمانمئة وسبعة وعشرين مليون دولار في شهر سبتمبر، بعد تدفقات شحيحة بلغت ستمئة وخمسة وخمسين مليون دولار فقط خلال شهر أغسطس.
علاوة على ذلك، شهد الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر وحده انسحابا مكثفا بلغ مليارا ونصف المليار دولار، ليمثل نحو ثلاثة وأربعين بالمئة من إجمالي الأموال الهاربة طوال الشهر ذاته.
ومن جهة أخرى، جاء هذا النزيف الحاد عقب أسبوع اتسم بركود شبه تام في حركة التخارج، مما يعكس حالة الذعر المفاجئ وفقدان الثقة السريع في جدوى الاحتفاظ بالجنيه المصري.
وفضلا عن ذلك، قدر مسؤول في مؤسسة ستاندرد تشارترد الدولية إجمالي التدفقات الأجنبية المغادرة لسوق الدين المصري بما يتراوح بين عشرة وخمسة عشر مليار دولار قياسا لأعلى قمة مسجلة.
وفي السياق ذاته، أوضح الخبير الاقتصادي والمحلل المالي هاني جنينة أن الأسواق المحلية فقدت نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار في غضون أسبوعين فقط نتيجة الضغوط البيعية المتلاحقة للمستثمرين.
إلى جانب ذلك، أكدت تقارير صحفية محلية أن حصيلة التخارجات الفعلية خلال شهر أكتوبر لامست حاجز أربعة مليارات دولار، مما يضاعف من حدة الفجوة التمويلية التي تواجهها الخزانة العامة.
ومن ناحية أخرى، أشار عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد إلى أن إجمالي الأموال الساخنة التي غادرت البلاد بلغ نحو سبعة مليارات دولار، مستنزفة السيولة النقدية الأجنبية المتاحة.
وبناء على ما تقدم، تثبت هذه الأرقام المتلاحقة فشل سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في بناء اقتصاد إنتاجي مستدام، والاكتفاء بالاعتماد المفرط على ديون خارجية سريعة الهروب عند الأزمات.
سقوط تاريخي للجنيه أمام الدولار
ونتيجة لتلك التخارجات، انزلق الجنيه المصري إلى قاع تاريخي جديد في البنوك الرسمية، متجاوزا مستوى ستة وخمسين جنيها للدولار الواحد بنهاية تعاملات يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر أكتوبر.
وفي المقابل، كان سعر الصرف يدور حول 54 جنيها وواحد وسبعين قرشا يوم الثاني والعشرين من شهر أكتوبر، قبل أن يفقد نحو اثنين وأربعة أعشار بالمئة بأسبوع واحد.
كما سجل الدولار الأمريكي 55 جنيها وثلاثين قرشا في تعاملات سابقة خلال شهر أكتوبر، مدفوعا بتصاعد حدة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وامتداد الصراعات الإقليمية نحو اليمن وإيران.
وبالإضافة إلى ذلك، تحولت هذه الاضطرابات الجيوسياسية إلى ذريعة إضافية تكشف عورة الاقتصاد المحلي، الذي يفتقر لأي مصدات مالية حقيقية تحمي العملة الوطنية من تقلبات الأسواق العالمية والضغوط الخارجية.
ومن ثم، أكد مدير مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية خالد الشافعي أن تراجع الجنيه لا يرتبط فقط بخروج المستثمرين، بل يتغذى أساسا على الفاتورة الضخمة لواردات الطاقة وأعباء الديون المتراكمة.
وعلى المنوال ذاته، تواصل الحكومة استنزاف موارد البلاد من النقد الأجنبي لسداد أقساط القروض وفوائدها المتضخمة، مما يترك الجهاز المصرفي عاجزا عن تلبية الطلب المتزايد على العملة الصعبة بالسوق.
وترتيبا على ذلك، يتحمل المواطن المصري وحده كلفة هذا التدهور النقدي عبر موجات غلاء طاحنة، بينما تصر السلطة التنفيذية على تمويل عجزها المالي بمزيد من الاقتراض قصير الأجل والمكلف.
ومع ذلك، تروج المؤسسات الرسمية لفرضية أن الضغوط البيعية مجرد عمليات جني أرباح مؤقتة، متجاهلة حقيقة الهروب الهيكلي لرؤوس الأموال الباحثة عن ملاذات آمنة بعيدا عن الأسواق عالية المخاطر.
ولذلك، يظل الجنيه المصري رهينة لتحركات المقامرين الدوليين في أدوات الدين، حيث يؤدي أي تخارج مفاجئ إلى شلل في حركة الاستيراد وتآكل مستمر في القوة الشرائية لمدخرات المصريين بالبنوك.
عجز الفائدة المرتفعة عن الإنقاذ
وأمام هذا الانهيار، لجأت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي مساء الخميس التاسع والعشرين من شهر أكتوبر إلى رفع أسعار الفائدة بمقدار مئة نقطة أساس في محاولة يائسة لإغراء الأجانب.
وبموجب هذا القرار، قفزت عوائد الإيداع إلى عشرين بالمئة والإقراض إلى واحد وعشرين بالمئة، وهو ما يفرض أعباء إضافية قاتلة على الموازنة العامة التي تلتهم خدمة الدين معظم إيراداتها.
ورغم هذه الزيادة، يرى الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل والاستثمار وائل النحاس أن رفع العائد المحلي لن يوقف نزيف الأموال الساخنة طالما بقيت المخاطر الائتمانية والاضطرابات الهيكلية تلاحق الاقتصاد المصري.
وعليه، فإن المستثمر الأجنبي يراقب تآكل الاحتياطيات الصافية وتفاقم التزامات السداد الخارجي، ويدرك أن العائد المرتفع بالعملة المحلية لا يعوض خسائر انخفاض قيمة الجنيه عند تحويل أرباحه إلى الدولار.
علاوة على ما سبق، يؤدي رفع الفائدة بهذا الشكل المتكرر إلى خنق القطاع الخاص المحلي وتدمير فرص الاستثمار الحقيقي، بسبب ارتفاع تكلفة التمويل البنكي للمصانع والشركات الإنتاجية داخل البلاد.
وبالتالي، تدخل السياسة النقدية في حلقة مفرغة من رفع الفائدة وخفض قيمة العملة، دون تحقيق استقرار سعري أو جذب استثمارات مباشرة تسهم في تشغيل العمالة وزيادة الصادرات السلعية للخارج.
وفي غضون ذلك، تتزايد الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع تكلفة الاستيراد وتراجع الجنيه، مما يجعل أداة الفائدة عاجزة تماما عن كبح جماح الأسعار التي تشتعل يوميا في الأسواق المحلية المختلفة.
ومن هذا المنطلق، تتجلى خطورة المسار الاقتصادي الذي فرضه نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، حيث جرى استبدال التنمية الحقيقية باقتصاد ريعي يعتمد على تدوير الديون وبيع الأصول السيادية.
وهكذا، تبقى الأسواق المصرية مكشوفة أمام رياح الهروب الجماعي للأموال الساخنة، وسط غياب أي رؤية إصلاحية تعيد هيكلة أولويات الإنفاق العام وتوقف نزيف الاقتراض الذي يرهن مستقبل الأجيال القادمة.

