تنتزع الخزانة العامة أموال المواطنين عبر توسع ضريبي غير مسبوق لتعويض عجز الموازنة المزمن، متجاهلة تراجع الإنتاج الحقيقي وتدهور القدرة الشرائية للملايين، لتتحول الجباية إلى المورد شبه الوحيد الذي يبقي المالية العامة متماسكة ظاهرياً فقط.
وفي هذا السياق، قفزت الإيرادات العامة خلال شهري يوليو وأغسطس إلى نحو 533.2 مليار جنيه بمعدل نمو 34.1 بالمئة، بينما شكلت الحصيلة الضريبية وحدها 436.8 مليار جنيه بمعدل 23.8 بالمئة لتبتلع 82 بالمئة من الموارد.
استنزاف الجيوب لتمويل عجز الدولة
وبناءً على ذلك، يوضح أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة القاهرة، الدكتور أحمد السيد، أن ارتكاز الدولة شبه الكامل على الضرائب يعكس شللاً هيكلياً في القطاعات الإنتاجية، إذ تحولت السياسة المالية من تحفيز النمو إلى اقتناص السيولة.
ومن هذا المنطلق، تتآكل مدخرات الطبقات المتوسطة والفقيرة بفعل ضرائب الاستهلاك غير المباشرة، التي تشكل العمود الفقري لهذه الحصيلة المرتفعة، ما يرفع تكاليف المعيشة ويدفع بمزيد من الأسر دون خط الفقر المدقع في البلاد.
فضلاً عن ذلك، يعاني مجتمع الأعمال من ضغوط متزايدة تشل قدرته على التوسع التشغيلي، حيث يجد المستثمرون أنفسهم محاصرين برسوم وجبايات متكررة تقلص هوامش الأرباح وتجبر شركات عديدة على تسريح العمالة أو الإغلاق التام.
علاوة على ذلك، أدت التوجهات الاقتصادية التي فرضها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى تجفيف موارد النقد الأجنبي، ما دفع الإدارة المالية للاستسهال وتركيز جهودها على استنزاف السوق المحلي عبر أدوات الضغط المالي الجائر.
واللافت في الأمر، أن نمو الحصيلة الضريبية بنسبة 23.8 بالمئة لم ينعكس مطلقاً على تحسين الخدمات، بل تزامن مع تدهور ملحوظ في قطاعي الصحة والتعليم، اللذين يعانيان من نقص المخصصات وضعف الكفاءة التشغيلية المستمر.
وإلى جانب ذلك، تبرز الأرقام الرسمية غياب أي مساهمة حقيقية للمشاريع الكبرى في تنويع مصادر الدخل، حيث ظلت الخزانة أسيرة لعائدات الجباية السريعة المفروضة على السلع الأساسية والمحروقات وفواتير الخدمات العامة لعموم الشعب.
فوائد الديون تبتلع عوائد الجباية
وفي هذا الصدد، يؤكد خبير المالية العامة والسياسات النقدية، الدكتور شريف حلمي، أن تحقيق 533.2 مليار جنيه إيرادات لا يعني استقراراً، لأن خدمة أعباء الدين وحدها تلتهم النسبة الكبرى من تدفقات الخزانة النقدية.
وبناءً على المعطيات، تجد السلطة نفسها مجبرة على إعادة تدوير الأموال المسحوبة من المواطنين لسداد فوائد القروض الخارجية والداخلية، في حلقة مفرغة تفقد الموازنة مرونتها وتمنع توجيه الموارد نحو بناء بنية إنتاجية حقيقية.
في المقابل، يتصاعد القلق من استمرار هيمنة الضرائب على 82 بالمئة من الإيرادات، إذ يجعل هذا التركيز المفرط مالية الدولة عرضة لصدمات الركود، حين تتراجع المبيعات ويعجز المستهلكون عن دفع المزيد من الرسوم.
ومرد ذلك، إصرار المنظومة على تغييب أي إصلاح ضريبي تصاعدي حقيقي يطال أصحاب الثروات الكبرى، والاعتماد بدلاً من ذلك على الضرائب غير المباشرة سهلة التحصيل التي تستهدف الشرائح الأضعف اقتصادياً دون مراعاة واقعها المعيشي.
غير أن الرهان على استمرار هذه القفزات المالية يصطدم بحدود طاقة المجتمع على التحمل، حيث يرى المراقبون أن الاستنزاف الضريبي المستمر بدأ يؤدي لنتائج عكسية عبر انكماش حركة التداول التجاري وهروب رؤوس الأموال.
وبالموازاة مع ذلك، تتزايد مخاطر التعثر مع تضخم فاتورة الفوائد السنوية، التي تلتهم الجزء الأكبر من الحصيلة البالغة 436.8 مليار جنيه، لتصبح الدولة مجرد محصل أموال ينقل السيولة من جيوب المواطنين لجيوب الدائنين الدوليين.
أزمة استدامة تخنق الاقتصاد الحقيقي
من هذا الجانب، يوضح الباحث في الاقتصاد التنموي والعدالة الاجتماعية، الدكتور طارق مرسي، أن نمو الإيرادات دون توسع صناعي أو زراعي يمثل انتفاخاً مالياً مصطنعاً، يخفي وراءه تراجعاً حاداً في الإنتاجية ومؤشرات التنمية البشرية.
وتأسيساً على ذلك، تعكس نسبة النمو البالغة 34.1 بالمئة في الموارد العامة تضخماً نقدياً وركوداً اقتصادياً، لا انتعاشاً حقيقياً، حيث يعود الارتفاع الاسمي في جزء كبير منه لانخفاض القيمة الحقيقية للعملة المحلية أمام العملات الأجنبية.
يضاف إلى ذلك، أن الإصرار على فرض الرسوم على المعاملات اليومية للمواطنين يهدد بتفكيك شبكة الأمان الاجتماعي، في وقت ترتفع فيه أسعار الكهرباء والوقود والمياه بمعدلات قياسية تفوق بكثير قدرة الطبقات العاملة على الاحتمال.
وبالنظر إلى المستقبل، تنذر هذه السياسات الجبائية بتعميق أزمة الركود التضخمي، طالما أن تدفقات الأموال لا تتوجه لبناء مصانع أو استصلاح أراضٍ توفر وظائف مستدامة، بل تذهب لسداد أقساط ديون مشاريع لم تقدم مردوداً إنتاجياً.
وختاماً لهذا المسار، يبقى المشهد المالي محكوماً بنزيف معيشي مستمر، حيث تتحول الأرقام المعلنة من مؤشرات نجاح مزعومة إلى دليل إدانة لنهج يمول عجزه من أرزاق المواطنين، ويدفع بالاقتصاد نحو حافة الانهيار غير المعلن.

