جدد رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي مساعي الهيمنة المطلقة في الأيام الماضية، بإعلانه الجازم أن وثيقة الدستور لن يمسها أحد، متجاهلاً وقائع سابقة شهدت الانقلاب المباشر على التعهدات المعلنة أمام الشعب.

 

ويرسخ هذا التوجه الرسمي تصاعد التوجس الشعبي حيال مصداقية الوعود السياسية، خاصة بعد تعديل بيان مؤسسة الرئاسة عقب مرور 1 يوم فقط، ليؤكد البقاء حتى آخر يوم في الحكم بدلاً من عام 2030.

 

 

مسار التراجع عن تعهدات الرحيل

 

وفي هذا السياق، استهل الحكم العسكري مساره عقب أحداث 3 يوليو 2013 بنفي قاطع لأي طموح في السلطة، زاعماً أن تحرك القوات المسلحة جاء استجابة حصرية للإرادة الشعبية وحماية البلاد من الفوضى والانهيار.

 

وبناءً على ذلك، توالت التصريحات الرسمية في أواخر يوليو وأغسطس 2013 لتبديد الشكوك، حيث شدد رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي لصحيفة واشنطن بوست على زهده التام في تقلد المنصب الرئاسي مستقبلاً.

 

ومع ذلك، تحول المشهد بصورة لافتة في 11 يناير 2014 خلال الندوة التثقيفية، إذ ربط الترشح لأول مرة بتلقي تفويض عسكري وأمر شعبي، متراجعاً بوضوح عن التطمينات السابقة التي منحها للرأي العام.

 

وعلاوة على ذلك، سارع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 27 يناير 2014 إلى منح التفويض المطلوب، بالتزامن مع ترقية عسكرية سبقت إعلان الترشح الرسمي والمباشر للسباق الرئاسي المحسوم سلفاً لصالحه.

 

وفي غضون ذلك، جاء يوم 26 مارس 2014 ليخلع فيه الزي العسكري ويعلن الترشح رسمياً، متذرعاً بتلبية نداء الجماهير، ليدشن مرحلة جديدة من إعادة هندسة المشهد السياسي وتثبيت أركان الحكم الفردي.

 

ومن هذا المنطلق، يؤكد الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن تفكيك التعهدات يمثل نمطاً متكرراً في إدارة السلطة، حيث تُطوع المؤسسات لإلغاء أي قيود حقيقية على مدة الحكم.

 

إلى جانب ذلك، تعكس هذه التحولات المتدرجة على مدار 10 سنوات استراتيجية ممنهجة لفرض الأمر الواقع، إذ يُعاد تعريف الوعود السابقة وتفسيرها بما يخدم استمرار الهيمنة المطلقة على مفاصل القرار الوطني.

 

فضلاً عن ذلك، يمثل استدعاء التفويض الجماهيري غطاءً سياسياً معتاداً لتبرير كل خطوة تراجعية، مما يحول التعهدات الدستورية المكتوبة إلى مجرد أدوات دعائية تفقد قيمتها الإلزامية أمام رغبة الاستمرار في المنصب.

 

 

تطويع الدستور لاحتكار الفترات الرئاسية

 

ومن زاوية أخرى، شهد يوم 13 فبراير 2016 تصريحات لمجلة جون أفريك الفرنسية، ادعى فيها أن الشعب لن يسمح ببقاء حاكم لا يريده، متحدثاً عن مسار ديمقراطي يستغرق بين 20 و 25 عاماً.

 

وعلى صعيد متصل، عاد رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي في نوفمبر 2017 عبر شبكة سي إن بي سي، ليؤكد الالتزام التام بعدد 2 فترتين رئاسيتين فقط، مدة كل منهما 4 سنوات متتالية.

 

تأسيساً على ذلك، تجاهل هذا الإلزام الصريح في 5 نوفمبر 2018 بمنتدى شرم الشيخ، مبرراً البقاء الحتمي بأن الحاكم لن يعيش 100 سنة أو 200 سنة، في مناورة كلامية للالتفاف على القيود القانونية.

 

وبالتوازي مع ذلك، شهد عام 2019 نسفاً كاملاً لتلك القيود عبر تعديلات برلمانية مشبوهة، أسقطت نصوص دستور 2012 التي حصرت الحكم في فترتين، لترفع مدة الولاية الرئاسية إلى 6 سنوات كاملة.

 

ونتيجة لذلك، جرى استحداث مادة انتقالية صممت خصيصاً لتتيح ولاية رقم 3 إضافية، متجاهلة المدد السابقة، ليخوض انتخابات 2023 ويبدأ ولايته الجديدة في شهر أبريل 2024 المقررة نظرياً حتى عام 2030.

 

ومن جهته، يوضح الدكتور خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، أن التلاعب بالقواعد الدستورية يكرس سلطوية مفرطة، تجعل النصوص القانونية مجرد أدوات ملحقة بإرادة الحاكم الفرد ومصالحه المباشرة.

 

ارتباطاً بذلك، أثبتت وقائع التعديل المتتالية زيف مقولة احترام القواعد الدستورية، إذ تحولت الوثيقة الحاكمة إلى مسودة خاضعة للتغيير المستمر بمجرد اقتراب المواعيد النهائية المحددة قانوناً للانتخابات وتداول مقاليد السلطة سلمياً.

 

بالإضافة إلى ذلك، كرس الاستفتاء المحدود المصاحب لتعديلات الوثيقة آلية لتمرير رغبات النظام، حيث غابت الرقابة المستقلة وحوصرت قوى المجتمع المدني، مما جعل النتيجة النهائية تمديداً مفروضاً بقوة الأجهزة التنفيذية.

 

 

مناورة تحصين النظام وتأجيل التعديل

 

وفي ضوء ذلك، حملت الندوة التثقيفية رقم 44 في أكتوبر 2026 بمناسبة الذكرى رقم 53 لحرب أكتوبر، تصريحاً دعائياً جديداً يزعم فيه أن الدستور القائم لن يجرؤ أي طرف على المساس بأحكامه نهائياً.

 

وحول هذه النقطة، تصاعدت التقديرات حول تهيئة المناخ العام لخطوة مباغتة خلال عام 2027، تمهد لفرض تعديلات تشريعية مستحدثة تشرعن الترشح مجدداً وفتح مدد الرئاسة لضمان البقاء في المنصب دون عوائق.

 

تبعاً لذلك، دعا رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي إلى تحصين مؤسسات الدولة وتجنب الشائعات، في محاولة واضحة لحصار أي أصوات معارضة تستبق طرح تعديلات مصيرية قد تفجر غضباً شعبياً مكتوماً بالشارع.

 

ومن هنا، يرى الدكتور عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية والباحث بمركز كارنيغي للسلام الدولي، أن التعهدات الشفهية الراهنة تمثل تكتيكاً لامتصاص الاحتقان، بينما تتجه البنية القانونية نحو مزيد من الانغلاق التشريعي.

 

واستناداً إلى ذلك، يكرر النظام نفس الآليات التمهيدية السابقة عبر إطلاق بالونات الاختبار وتجريب ردود الأفعال، قبل الشروع في تمرير النصوص المعدلة بواسطة المؤسسات البرلمانية والأمنية الخاضعة لسيطرته التامة المطلقة.

 

في المقابل، تدرك الأوساط الحقوقية والسياسية أن التمسك بالبقاء في الحكم يرتبط بالحصانة الشخصية لرموز السلطة، وهو ما يدفع المنظومة الحاكمة إلى إغلاق المجال العام ومنع أي فرصة للتداول السلمي للسلطة.

 

وعلى هذا الأساس، تتطابق التصريحات الصادرة في المرحلة الراهنة مع الوعود التي أُطلقت قبل كل استحقاق رئاسي سابق، حيث يجري استبدال النصوص الدستورية تدريجياً لضمان استمرار قبضة المؤسسة العسكرية على الحكم.

 

وختاماً لهذا المشهد، تسقط تجارب العقد المنصرم أي مصداقية عن التعهدات الحالية، إذ أضحت المناورات الكلامية أداة لتسويف الأزمات وفرض الأمر الواقع، وسط استمرار احتكار كامل للسلطة والثروة داخل الدولة.