كان لإعلان قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي جاهزية القوات المسلحة المصرية الكاملة لإنفاذ تدخل عسكري فوري لحماية المملكة العربية السعودية، ودعوته مجلس النواب لجلسة طارئة استثنائية لمأسسة هذا التحرك وصياغة "الردع الدستوري" أصداء سياسية ودبلوماسية واسعة النطاق على الصعد المحلية والخليجية والدولية، واصفة الموقف بأنه إعادة صياغة لمعادلة الردع في المنطقة.
وتقول تقارير صحفية غربية، إن التحرك المصري يحمل طابعًا "دفاعيًا بحتًا" لحفظ التوازن المشترك وليس لشن هجوم أو اعتداء. وأشارت إلى أن الدوائر الدبلوماسية بالولايات المتحدة تتابع هذا الحراك باهتمام حثيث؛ حيث يرى الغرب أن دخول الجيش المصري بثقله العسكري والردعي الضخم يمثل صمام أمان عاجل لحماية خطوط الطاقة والملاحة العربية (بخاصة مع تداعيات إغلاق مضيق هرمز)، مما يقلل الحاجة لانخراط أمريكي مباشر في المنطقة.
وأعلنت الأمانة العامة لمجلس النواب وقادة الكتل البرلمانية الاستعداد الكامل لعقد الجلسة الطارئة الاستثنائية غدًا الأحد، للتصديق على منح القيادة العامة للقوات المسلحة التفويض الدفاعي المطلوب بأغلبية الثلثين.
أبعاد استراتيجية
وأجمعت التحليلات على أن هذا الاستنفار التشريعي يحمل أبعادًا استراتيجية بالغة الأهمية:
يمنح التفويض المسبق للقيادة العسكرية المصرية "الضوء الأخضر الدستوري" للتحرك الفوري وإرسال الدعم (الدفعة الجوية، الدفاع الجوي، والقوات البحرية) فور تلقي إشارة التنسيق من الرياض، دون الحاجة للانتظار لأيام لعقد جلسات برلمانية بعد وقوع الأزمة.
يتقاطع التوقيت الإجرائي للتحرك مع الاستنفار البحري المعقد والتوترات المشتعلة في مضيق هرمز وإغلاقه، مما يجعل الجاهزية المصرية صمام أمان عاجل لحماية خطوط الطاقة والملاحة العربية والدولية.
"حلف دفاعي"
حدد السيسي ملامح التحرك العسكري ومكانه تحت بند "الدفاع الشرعي والتضامن المشترك"، معلنًا صراحة: "أنا بتكلم مش عشان نحارب حد أو نهاجم حد، إحنا بنتكلم للدفاع فقط".
ويرى خبراء ومحللون أن العقيدة القتالية للتحرك المصري ترتكز بالأساس على بناء "مظلة صد وردع دفاعية" منيعة فوق الأراضي والأجواء السعودية لحماية عمقها الاستراتيجي وبنيتها التحتية ومطاراتها من هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وليس الانخراط في معارك هجومية توسعية.
رد الجميل للخليج
لم يكن البُعد الاستراتيجي هو المحرك الوحيد للقرار؛ إذ أفرد الخطاب السيسي مساحة مفعمة بالعروبة والتقدير لرد الجميل للأشقاء، تمثلت في إصداره أمرًا عسكريًا مباشرًا لطلبة وضباط القوات المسلحة بأداء التحية العسكرية الرسمية لثلاث دول خليجية هي (المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت).
وتصدرت مقاطع الفيديو التي تظهر السيسي وهو يصدر أمرًا عسكريًا لطلاب وضباط الأكاديمية العسكرية بأداء التحية العسكرية الرسمية للمملكة العربية السعودية ودولتي الإمارات والكويت، "تريند" منصة "إكس" في السعودية.
وعبّر آلاف المغردين والمؤثرين السعوديين عن امتنانهم البالغ لعقيدة الوفاء ورد الجميل التي تحدث بها السيسي؛ إبان تذكيره بمواقف الشرف التاريخية التي قدمتها المملكة لمصر لتأمين جبهتها الداخلية واقتصادها خلال عام 2013، مؤكدين أن العلاقات بين البلدين تتجاوز التحالفات السياسية التقليدية إلى خندق دفاعي وأخوي واحد لا ينفصم.
ملء الفراغ الاستراتيجي وحماية الطاقة العالمية
أشارت التقديرات إلى أن واشنطن والعواصم الغربية تتابع هذا التنسيق رفيع المستوى بين القاهرة والرياض باهتمام حثيث، كونه يمثل صياغة لحلف إقليمي قادر على إدارة أزمات المنطقة بشكل مستقل. وفي ظل رغبة الإدارة الأمريكية في تقليص انخراطها العسكري المباشر، يُنظر إلى دخول الجيش المصري بثقله الاستراتيجي كعامل توازن جوهري يضمن استقرار خريطة الاقتصاد والطاقة العالمية ويصون السلم الإقليمي من الانهيار.
مخاوف تاريخية
مع ذلك،: تُثير فكرة إرسال قوات مصرية إلى شبه الجزيرة العربية مخاوف تاريخية عميقة تعود إلى تجربة الستينيات (حرب اليمن 1962-1967)، والتي استنزفت آنذاك قدرات الجيش المصري بشريًا وماليًا، وكانت أحد الأسباب غير المباشرة في نكسة 1967.
ويحذر محللون من أن القتال ضد جماعة الحوثي ينطوي على مواجهة في تضاريس جبلية وعرة للغاية، وهي بيئة مثالية لحروب العصابات والكمائن الاستنزافية الطويلة، مما قد يحول التدخل الدفاعي إلى "مستنقع" يصعب الخروج منه.
وتساءل الكاتب الصحفي، مدير تحرير موقع "العربية" السابق عبر صفحته في موقع "فيسبوك": هل ظروف مصر الافتصادية مهيأة لكي تدخل مصر حربا خارج حدودها؟.. بسبب ظروفها تلك لم تدخل مصر حربًا دفاعًا عن حقوقها الشرعية في نهر النيل، فهل تدخل حربًا ليست من اختيارها وبناء على توجيهات من الملك سلمان وولي عهده".
وتابع: هل ما أنفقه المصريون على بنيتهم التحتية وجسورهم وطرقهم ومرافقهم يمكن أن يكون ضحية لحرب جديدة ندخلها بعد 53 سنة من آخر حروبهم ضد إسرائيل والتي أعلن السادات أنها آخر الحروب. أشعر بقلق كبير من طلب التفويض من البرلمان. حرب اليمن في الستينيات كانت سبب نكسة يونيه وسقوط أحلام عدة أجيال ولا زلنا نعاني آثارها إلى الآن".

