استدعى المقترح الذي طرحه قائد الانقلاب عبدالفتاح السسي في خطابه اليوم، مقارنة تاريخية بالنموذج التركي في الحقب السابقة، والذي كانت تخضع فيه الديمقراطية للوصاية العسكرية العلمانية، مما أطلق يد الجيش باسم الحفاظ على العلمانية الأتاتوركية، ودفعه للانقلاب على حكومات منتخبة، ووصل الأمر حد إعدام رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس شنقًا في سبتمبر 1961.
وفقًا للطرح المثير للجدل، فإن اللجنة المقترحة ستتولى أدوارًا تنظيمية وتنفيذية محددة، تشمل مراجعة السير الذاتية والخلفيات المهنية لكافة الكوادر الوطنية الراغبة في الالتحاق ببرنامج الـ 30 شهرًا التأهيلي لإعداد قادة الدولة.
وستُشرف اللجنة على تصميم وإدارة اختبارات تقييم وصفت بـ "العنيفة والصارمة"، تشمل القياس النفسي، والقدرات الإدارية، وفهم ملفات الأمن القومي والاستراتيجية، لضمان اختيار النخبة الأكفأ دون محاباة أو مجاملة لأحد.
تقوم اللجنة في نهاية التقييمات بفرز واختيار "مجموعة مؤهلة" يتم إعدادها وصقلها داخل الأكاديمية العسكرية، لتقدم لاحقاً للشارع ليختار من بينهم الشعب رئيسًا للجمهورية عبر الصندوق.
ويهدف ذلك ضمنًا إلى إبقاء مؤسسة الحكم تحت سيطرة الجيش، من خلال اختيار مرشحين معروفين بولاءاتهم للمؤسسة العسكرية، وإبعاد أي مرشح قد يكون له وجهة نظر مختلفة معها في إدارة شؤون البلاد، وإفساح المجال أمام الممارسة الديمقراطية، وغل يد الجيش عن التدخل في العملية السياسية وشؤون الحكم.
النموذج التركي (الوصاية الضامنة)
في التجربة التركية (منذ عهد أتاتورك وحتى أواخر التسعينيات)، كان الجيش يرى نفسه حارسًا للدستور وعلمانية الدولة، وهو ما يتشابه مع الطرح المقترح، الذي يهدف إلى إعداد القادة تحت إشراف الأكاديمية العسكرية بما يضمن في المقام الأول ولاء الرئيس لها، والإطاحة بأي مرشح يتمتع بإرادة مستقلة.
ويشير محللون إلى أن نظام "الديمقراطية الموجهة" في تركيا أدى في النهاية إلى نتائج عكسية؛ إذ تسببت التدخلات العسكرية المتكررة (مثل الانقلاب الأبيض عام 1997 ضد حكومة نجم الدين أربكان) في إضعاف القوى المدنية الليبرالية، ووفرت أرضية خصبة للمظلومية السياسية التي استغلتها التيارات المحافظة للوصول إلى السلطة الكاملة وتفكيك تلك الوصاية لاحقًا.
في المقابل، يرى فقهاء قانونيون والعديد من قوى المعارضة المدنية أن محاولة استنساخ تلك التجربة تحمل إشكاليات جوهرية تختلف مع طبيعة البناء الديمقراطي والمؤسسي الحديث.
فالديمقراطية تهدف بالأساس إلى فتح المجال العام لكافة التيارات والاتجاهات عبر برامج سياسية واقتصادية مدنية. ويرى المنتقدون أن وضع "مصفاة مؤسسية" أو عسكرية للمرشحين يحول العملية الانتخابية إلى مجرد "استفتاء" بين خيارات تم اختيارها مسبقًا، مما يضعف دور الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
وتؤكد الأدبيات السياسية أن الضمانة الحقيقية لمنع وصول أي تيار غير مرغوب فيه هي وعي الناخب وتطوير الأحزاب المدنية لبرامجها، وليس وضع قيود إدارية، لأن إشراك الشعب في الاختيار الحر دون إملاءات هو الصمام الفعلي للاستقرار المستدام.
وصاية جديدة على حق المصريين في الاختيار
يقول الكاتب الصحفي خالد محمود عبر منصة "إكس" في تعليقه على طرح السيسي، إن "المشكلة ليست في إعداد برنامج لتأهيل من يريدون حكم مصر، بل في تحويل التأهيل إلى بوابة تحدد من يحق له الترشح للرئاسة ومن يُمنع منها!"، مما دفعه للتساؤل: "من يملك سلطة تحديد من يصلح لحكم مصر؟ لجنة من الخبراء؟ أم السلطة التي تدير الدولة الآن؟ ومن يختار هذه اللجنة ويضمن استقلالها؟".
— khaled mahmoued (@khaledmahmoued1) October 17, 2026
وأوضح أن "الدستور يحدد شروط الترشح، ويترك للناخبين اختيار الرئيس عبر انتخابات مباشرة، أما اختراع مسار أكاديمي مدته 30 شهرًا، إذا كان شرطًا إلزاميًا للترشح، فيفتح الباب أمام وصاية جديدة على حق المصريين في الاختيار، ويمنح جهة غير منتخبة سلطة تصفية المرشحين قبل وصولهم إلى صناديق الاقتراع".
وحذر من أن "الأخطر أن تتحول فكرة تبدو في ظاهرها دعوة إلى الكفاءة إلى آلية تتحكم بها السلطة في هوية منافسيها، فتختار من يُسمح لهم بالمنافسة قبل أن يختار الشعب رئيسه".
معالجة خطأ بآخر أشد
وقال الدكتور عمار علي حسن، الخبير في علم الاجتماعي السياسي عبر صفحته في موقع "فيسبوك"، إنه "ليس من المجدي معالجة خطأ بآخر أشد"، مشيرًا إلى أن التصورات والإجراءات التي أدت إلى "موت الحياة السياسية"، لم تتح الفرصة أمام بروز شخصيات وطنية ذات خبرة وتاريخ وحيثية تملأ عيون المصريين فيطمئون إلى قدرة أي منها على تولى منصب رئاسة الجمهورية.
لذا، حذر قائلاً: "لا تعالج بقصر حق الترشح على عدد محدد تختاره لجنة من بين حملة الماجستير والدكتواره، ويخضع لتدريب في الأكاديمية العسكرية. فهذا التصور ضد الراسخ من مبادئ "مباشرة الحقوق السياسية" التي لها قواعد متعارف عليها في مصر ويقرها الدستور، ولو من الناحية الشكلية، ولها أصول راسخة في مختلف دول العالم".
وطعن في دستورية الطرح المقترح، متسائلاً: "لا أعرف كيف يصدر قانون يخالف الدستور، الذي قال الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل ساعات إنه لن يمس؟! ولا أعرف إلى متى سيتم التعامل مع الشعب على أنه قاصر؟ّ!".
وتابع: "وإذا كانت هناك مخاوف وهواجس مبررة نعرفها، فتبديدها بسيط، وهو حل أي حزب قام على أساس ديني، وتحرير الأحزاب السياسية الحالية من كل القيود التي تحول دون أن تكون أحزابًا حقيقية، وحرث التربة العامة، ففي مصر رجال وطنيون وأكفاء في مختلف المجالات، لم تلوث أيديهم بدماء أو سرقة، ولم تلوث رؤوسهم بخيانة أو عمالة أو تواطؤ".
وحث حسن على فتح الإعلام لكل الآراء، وترك الشوارع لرجال السياسة يعملون فيها بسلم ووعي لتوسيع قواعد الأحزاب، وحين يأتي 2030 سيجد المصريون أمامهم فرصًا هائلة للاختيار، "إن كان المسار الذي بدأ نظريًا منذ أيام سيواصل طريقه".

