يواجه رئيس الوزراء أنور إبراهيم مأزقا سياسيا وأخلاقيا غير مسبوق في العاصمة كوالالمبور عقب الدفع بتعيين مفتي الديار المصرية الأسبق علي جمعة مستشارا حكوميا أعلى لشؤون التعليم والتربية الإسلامية وصيانة التراث الديني.
وبناء عليه تفجرت موجة احتجاجات عاصفة قادها وزير الخارجية والبرلماني البارز سيف الدين عبد الله لوقف القرار فورا معتبرا إقحام شخصية متورطة بتبرير سفك دماء الآلاف انقلابا صريحا على القيم الإنسانية للبلاد.
فتاوى سفك الدماء تهدد الهوية
وفي هذا السياق أعلن سيف الدين عبد الله رفضه القاطع للقرار واصفا جمعة بالشخصية الظالمة التي وفرت غطاء شرعيا لتحركات عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع حينها خلال الانقلاب المسلح على رأس النظام المنتخب عام 2013.
علاوة على ذلك يوضح الدكتور أحمد فوزي عبد الحميد أستاذ الدراسات السياسية والإسلامية بجامعة العلوم الماليزية أن استيراد شخصيات سوقت لمجازر ميدانية ضد معتصمين سلميين يعكس تخبطا استراتيجيا ينسف الخطاب القيمي للمنظومة الحاكمة الحالية.
وانطلاقا من ذلك يرى عبد الحميد أن منح مناصب استشارية لحلفاء الجنرالات الذين أطاحوا بالحكم الديمقراطي في شهر يوليه عام 2013 يمثل خطوة كارثية تمنح الشرعية لخطاب الإبادة والقمع داخل أروقة المدارس والمعاهد الوطنية.
ومن ثم يستحضر المحتجون المشاهد الدامية التي أعقبت الانقلاب العسكري على رأس النظام الراحل محمد مرسي محملين المؤسسة الإفتائية المصرية مسؤولية أخلاقية وسياسية مباشرة عن إزهاق أرواح المتظاهرين العزل بمباركة فتاوى رسمية مضللة ومشبوهة.
وإزاء هذا التورط يرفض المجتمع المدني تبرئة ساحة رجل دين حرض علانية على استهداف المعارضين السياسيين معتبرا أن استقدامه لصياغة الوعي الطلابي يشوه الهوية الحضارية للشعب الماليزي الرافض لثقافة الإقصاء والعنف الدموي برمتها.
وتبعا لذلك تتصاعد الضغوط البرلمانية لإجبار رئيس الحكومة على سحب هذا التكليف المهين لتاريخ النضال الديمقراطي مؤكدة أن دماء الضحايا التي سالت في صيف عام 2013 تظل وصمة عار تلاحق كل من بررها.
وبالمثل ترى القوى الحقوقية أن هذا التوجه يضرب مصداقية الدولة في المحافل الدولية ويجعلها متواطئة رمزيا مع أجهزة البطش العسكري التي استباحت حياة المواطنين في مصر وصادرت حقهم المشروع في اختيار قيادتهم السياسية.
فضلا عن ذلك تحذر التيارات الشعبية من تداعيات فرض نموذج ديني يقدس الحاكم العسكري المستبد ويحرم معارضته واصفة الخطوة بأنها محاولة مشبوهة لإعادة إنتاج الفاشية وتوطين فتاوى الاستبداد في بيئة ديمقراطية تأسست على التعددية.
تصدع التحالف وتناقض الشعارات الرسمية
وبالإضافة إلى ذلك يؤكد الخبير الدستوري الدكتور وونغ تشين هوات أستاذ العلوم السياسية بجامعة سنواي أن استعانة الحكومة برجال دين مرتبطين بمذابح سياسية يدمر المزاعم الإصلاحية التي رفعتها السلطة التنفيذية أمام الناخبين والمجتمع.
وعلى هذا الأساس يشدد هوات على أن التحالف الحاكم يدخل في صدام مدمر مع المبادئ الأخلاقية لحركة الإصلاح الديمقراطي التي بنيت على التضامن المطلق مع القضايا الإنسانية العادلة ورفض الانقلابات العسكرية والاستبداد الممنهج.
وحيثما اتجه المراقبون يجدون أن الدفاع عن حقوق الشعوب وحرياتها لا يمكن أن يتجزأ أو يخضع لحسابات دبلوماسية نفعية بل يقتضي موقفا حازما يرفض مكافأة الشخصيات التي أسهمت في ترسيخ الدكتاتورية بالشرق الأوسط.
وعطفا على ذلك يسود استياء عميق بين قواعد الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي رفضا لسياسات الانفراد بالقرار واختيار شخصيات مثيرة للشبهات لتوجيه عقول الأجيال القادمة عبر مناهج التعليم الديني والتراث الفكري المشترك.
ومن هذا المنطلق يدعو قيادات العمل السياسي إلى مراجعة شاملة لآليات التعيين في المجالس الاستشارية السيادية لمنع تسلل رموز الأنظمة القمعية التي احترفت تزوير المفاهيم الشرعية لتبرير جرائم أجهزة الأمن ضد المدنيين المعارضين.
وتأسيسا على ذلك تتسع الهوة بين الشارع والسلطة التنفيذية في ظل إصرار القيادة على تجاهل السجل الحقوقي المظلم لضيوفها مما يعزز القناعة بعجز الإدارة الحالية عن الالتزام بالمعايير الديمقراطية والشفافية المعلنة في برامجها.
ومع تعاظم الاستنكار يقف رئيس الوزراء أمام اختبار حقيقي لمصداقيته السياسية فإما الانحياز لدماء الشهداء ومبادئ العدالة المطلقة أو المضي في ترسيخ التحالف مع واجهات الحكم الشمولي وممثلي الثورات المضادة في المنطقة العربية.
ورغم تبريرات المحيطين بمركز القرار يصر المدافعون عن الحريات على أن تجميل صورة الجنرالات لن يمرر داخل ماليزيا وأن الصمت على مثل هذه التعيينات يمثل خيانة صريحة لأمانة الدفاع عن المظلومين في كل مكان.
خيارات بديلة لحماية السيادة الدينية
وفي تطور مواز تطرح الأوساط الأكاديمية بدائل وطنية وإقليمية واسعة تستجيب لمتطلبات صيانة التراث الديني وتغني المؤسسات الرسمية عن الارتهان لشخصيات ملوثة بالدماء أو متورطة في تبرير مجازر العسكر بحق المعارضين السلميين.
وفي هذا الصدد تشير الدكتورة بريدجيت ويلش الباحثة البارزة بمعهد آسيا التابع لجامعة نوتنغهام ماليزيا إلى أن تجاهل الكفاءات المحلية وإهدار رصيد علماء الجوار الأرخبيل يثبتان فشلا إداريا ذريعا في تقدير الأولويات الوطنية.
وتضيف ويلش مؤكدة أن ماليزيا وإندونيسيا تمتلكان مرجعيات إسلامية رائدة تشهد لها الأمة بنزاهتها واستقلالها عن بلاط الطغاة مما يجعل اللجوء لمفتي الانقلابات خطوة تضر بالسيادة الثقافية وتفتح بابا للاختراق الفكري شديد الخطورة.
وعلى صعيد متصل يتوافر في منطقة جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط علماء مشهود لهم بالرسوخ العلمي والتمسك الصارم بالحريات والحقوق الإنسانية دون أن يسجل عليهم التورط في مباركة المذابح الجماعية في صيف عام 2013.
وبناء على هذه المعطيات يطالب البرلمان بحصر عضوية المجلس الاستشاري في شخصيات تحظى بقبول مجتمعي وإجماع على نظافة سجلها الأخلاقي بدلا من استيراد شخصيات موالية للانقلابات تصدم مشاعر الملايين وتنتهك كرامة التعليم الديني.
وبالمثل تدعو الاتحادات الطلابية والشبابية إلى إطلاق حوار وطني مفتوح لتحديد مواصفات الموجهين التربويين حماية لعقول النشء من الأفكار المسمومة التي تشرعن الاستبداد وتبرر هدر الدماء تحت مسميات دينية مغلوطة وزائفة لا تمت للإسلام بصلة.
وجدير بالذكر أن هذا الحراك يعيد الاعتبار لحق الأمة في اختيار نخبها الإرشادية بعيدا عن الوصاية الخارجية التي تحاول تجميل وجوه الاستبداد وتلميع صور القيادات التي ساندت سحق التجارب الديمقراطية الوليدة في المنطقة.
وفي الختام يبقى إبعاد رموز الطغيان واجبا وطنيا وأخلاقيا لا يقبل المساومة لضمان بقاء المنظومة التعليمية حصنا منيعا للحرية والكرامة الإنسانية ورفض الانصياع لأي محاولات تستهدف إخضاع الدين لأهواء الحكام المستبدين وسلطات البطش الجائر.

