تستنفر الأجهزة الدعائية طاقتها لتثبيت قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في الحكم حتى عام 2050 عبر حملات مبرمجة، متجاوزة النصوص الدستورية التي تحدد ولايته، في مسعى واضح لتأبيد السلطة القائمة وحرمان المجتمع من أي فرصة للتغيير.
وتسعى المنظومة الإعلامية الموالية إلى فرض شخص عبد الفتاح السيسي خياراً أبدياً لا بديل عنه، عبر ربط بقاء الدولة باستمراره الشخصي في قمة الهرم الحاكم، متجاهلة الأزمات الهيكلية المتراكمة وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين.
أسرار تمديد حكم السيسي حتى 2050
ومن هذا المنطلق، يوضح الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن إطلاق حملة التمديد لصالح عبد الفتاح السيسي يستهدف القضاء على أي احتمال لتداول سلمي وحقيقي للسلطة خلال العقود الثلاثة المقبلة.
وبناءً على ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية أن اختيار عام 2050 يمنح الأجهزة التنفيذية تفويضاً مفتوحاً بلا سقف زمني ملزم، مما يعطل تفعيل الدستور ويفرغ صناديق الاقتراع من أي قيمة ديمقراطية حقيقية.
في السياق ذاته، تحاول هذه التحركات الدعائية تحويل شخص عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة حتمية لبقاء الكيان الوطني، واستخدام فكرة المشاريع العملاقة غير المكتملة كذريعة لتبرير استمرار النهج الأحادي في إدارة الدولة.
علاوة على ذلك، يعكس توقيت إطلاق الحملة رغبة مبكرة في الالتفاف على موعد انتهاء الولاية الحالية في عام 2030، وتجنب أي نقاش مجتمعي حول ضرورة فتح المجال العام أمام مشاركة القوى المدنية الوطنية.
إضافة إلى هذا، يشدد السيد على أن استمرار إدارة البلاد بنفس الآليات المنغلقة يحرم المؤسسات من التجديد، ويعمق من انفصال النخبة الحاكمة عن الواقع المعيشي الصعب الذي يتجرعه المواطنون في محافظات مصر المختلفة.
ومن زاوية أخرى، تستهدف هذه المبادرات إرسال رسالة ردع واضحة لأي أصوات داخلية تطالب بإصلاحات حقيقية، مفادها أن عبد الفتاح السيسي مستمر في موقعه بصرف النظر عن حجم التدهور الاقتصادي أو الاحتقان الاجتماعي.
بالتوازي مع ذلك، تؤدي محاولات تقديس استمرار شخص واحد إلى إضعاف أجهزة الرقابة والمحاسبة التشريعية، وتحويل البرلمان إلى أداة للتصديق الشكلي على قرارات انفرادية تفتقر للدراسات الجدوى الاقتصادية والسياسية المستقلة.
نتيجة لذلك، يغرق المجتمع في شعور عام بالإحباط وانسداد الأفق السياسي، حيث يرى جيل الشباب أن مستقبله بات مصادراً لصالح حكم ممتد حتى 2050 يمنعه من ممارسة حقه الطبيعي في التغيير والتطوير.
تداعيات اقتصادية تصادر ثروات الأجيال القادمة
في غضون ذلك، يوضح الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير في الاقتصاد السياسي والمالية العامة، أن سياسات عبد الفتاح السيسي كبلت الخزانة العامة بديون خارجية تجاوزت 160 مليار دولار بسبب التوسع في الاقتراض غير المنتج.
وعلى هذا الأساس، يثبت خبير المالية العامة أن خدمة أعباء الدين تستنزف أكثر من 60 في المئة من موارد الدولة، مما يدمر مخصصات الصحة والتعليم ويدفع نحو تقليص ميزانيات الدعم التمويني للملايين.
غير أن الإصرار على استكمال مشروعات البنية التحتية العملاقة دون مراعاة الأولويات الاستثمارية الملحة عمق عجز الموازنة، وحول الاقتصاد الوطني إلى بيئة طاردة للإنتاج الصناعي الحقيقي وفرص العمل الدائمة للشباب المصري.
في المقابل، أدت الهيمنة المباشرة للأجهزة السيادية على مفاصل النشاط الاقتصادي إلى انكماش استثمارات القطاع الخاص المحلي، وهروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج بحثاً عن بيئة استثمارية عادلة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص.
ومن ثم، تسببت قرارات تحرير سعر الصرف المتتابعة منذ عام 2022 في فقدان الجنيه لأكثر من ثلثي قيمته، مما قاد لموجات غلاء غير مسبوقة سحقت مدخرات الطبقة الوسطى ودفعتها قسراً نحو خط الفقر.
فضلاً عن ذلك، يحذر فاروق من أن البقاء في هذا المسار حتى 2050 يعني رهن ثروات الأجيال المقبلة لسداد سندات وقروض دولية بفوائد باهظة، ومصادرة قدرة الدولة على تمويل مشروعات التنمية البشرية المستدامة.
وفي ضوء ذلك، تتحول خطط التمديد لصالح عبد الفتاح السيسي إلى مظلة لتمرير صفقات بيع الأصول العامة الاستراتيجية والشركات الرابحة، لسد الفجوة التمويلية المتفاقمة وتفادي إشهار الإفلاس المالي تحت ضغوط صندوق النقد الدولي.
وتِبعاً لذلك، يواجه الاقتصاد المصري مخاطر هيكلية حقيقية مع تراجع تنافسية الصادرات وتراكم التزامات خدمة الديون الخارجية، بينما تتجاهل المبادرات السياسية المطروحة كل هذه التحديات الملحة وتكتفي بوعود مؤجلة لنصف قرن قادم.
توقيت مريب لامتصاص الغضب الشعبي
وعلى صعيد موازٍ، يوضح الدكتور أحمد السيد النجار، الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي بمؤسسة الأهرام، أن إطلاق حملة التمديد في شهر أكتوبر الجاري يستهدف التغطية المباشرة على الاحتقان المجتمعي الحاد في الشارع.
تأسيساً على ذلك، يشير النجار إلى أن توقيت الحملة تزامن عمداً مع قرارات حكومية قاسية صدرت في شهر أغسطس وسبتمبر لرفع أسعار الكهرباء والمحروقات وتذاكر النقل، بهدف شغل الرأي العام بقضايا مستقبلية وهمية.
بينما تسعى الدوائر التنفيذية لاختبار مدى تقبل الجماهير لتعديل دستوري جديد يمنح عبد الفتاح السيسي ولايات جديدة، مستغلة حالة التضييق الأمني الشامل لمنع أي حراك اعتراضي سلمي أو تنظيم نقابي مستقل داخل المدن.
ومع استمرار هذا المسار، يؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي أن محاولة القفز الزمني إلى عام 2050 تفضح العجز التام عن تقديم حلول حقيقية للأزمات المعيشية الخانقة، وتراجع الخدمات الأساسية في المشافي والمدارس الحكومية.
واستناداً إلى ذلك، يرى النجار أن الزعم باحتياج المشروعات الحالية لثلاثة عقود لتؤتي ثمارها ليس سوى تبرير واهٍ لتغطية إهدار مئات المليارات دون تحقيق أي عوائد ملموسة تنعكس على حياة المواطنين اليومية.
انطلاقاً من هذا، تفقد السلطة مصداقيتها عندما تخاطب مستقبلاً بعيداً وتتجاهل الغلاء اليومي، فالأولى بأي إدارة مسؤولة هو تخفيف الأعباء المعيشية الراهنة، بدلاً من إغراق الشارع في دعايات تمديد مفتوحة بلا أفق سياسي.
إذ تدل كل المؤشرات الميدانية على أن استمرار سياسة احتكار المجال العام وإغلاق منابر الحوار يدفع المجتمع نحو حافة الانفجار، نتيجة حرمان المواطنين من أي أدوات قانونية أو برلمانية للتعبير السلمي عن مطالبهم.
وحيث تؤكد التجارب التاريخية أن المراهنة على تخليد حكم عبد الفتاح السيسي بالقوة الأمنية لن تجدي نفعاً، فإن استمرار تصاعد أسعار السلع الأساسية وتآكل الدخول يظل العامل الحاسم الذي يهدد استقرار المنظومة بالكامل.
ختاماً للمشهد الراهن، تبدو دعوات البقاء لعام 2050 محاولة بائسة للهروب من استحقاقات الحساب السياسي والشعبي، ولن تنجح الآلة الدعائية في حجب حقيقة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تدفع البلاد نحو مسارات مجهولة العواقب.

