تتلاشى مصداقية التعهدات السياسية الصادرة من قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بمجرد نطقها أمام عدسات الكاميرات إثر تاريخ طويل من تمرير تعديلات دستورية مفصلية عصفت بالوثيقة الأصلية التي أقرت في شهر يناير من عام 2014.

 

وفي سياق وعود البقاء الأبدي بكرسي الرئاسة يكرر  السيسي القسم بعدم المساس بالنصوص الدستورية التي خضعت سابقا لتعديلات مفصلية منحته سنوات إضافية لإحكام قبضته الصارمة حتى عام 2030 متجاوزا الدستور.

 

وفي السياق ذاته تبرز تناقضات واضحة بين تصريحات الأمس القاطعة بعدم تعديل الدستور مجددا وبين الإجراءات الفعلية التي اتخذت خلال شهر أبريل من عام 2019 لتمديد البقاء في قمة السلطة التنفيذية لسنوات أطول.

 

 

وعود متكررة تتبخر أمام البقاء بالسلطة

 

بالتزامن مع ذلك يطرح المشهد السياسي تساؤلات ملحة حول جدوى التعهدات الشفهية المتناثرة التي أطلقها عبد الفتاح السيسي مؤخرا بعدما ابتلعت التعديلات السابقة كل الضمانات المكتوبة لتبادل السلطة بشكل سلمي.

 

وفي هذا الإطار يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة أن التصريحات المتلفزة لا تمثل ضمانة حقيقية لأن البنية الدستورية طوعت سابقا لخدمة استمرار الحاكم المطلق دون اعتبار للنصوص التأسيسية.

 

علاوة على ذلك تعيد هذه المشاهد إلى الأذهان ما حدث في شهر فبراير من عام 2019 حينما تم الدفع بمقترحات التعديل بشكل مفاجئ داخل البرلمان لتمريرها وسط غياب تام لأي معارضة مؤسسية.

 

بينما كانت الوعود الأولى قاطعة بالاكتفاء بمدتين رئاسيتين فقط وفقا للمادة 140 قبل التعديل تغيرت النبرة تماما لتسويق ضرورة بقاء نفس الشخصية لإكمال المشروعات القومية المزعومة متجاهلين الوثيقة الدستورية بالكامل.

 

ومن ناحية أخرى يدرك المتابعون للشأن المصري أن التعديلات التي مررت لم تقتصر على تمديد السنوات بل نسفت استقلالية القضاء وأحكمت قبضة السلطة التنفيذية على مختلف الهيئات المستقلة خلال تلك الفترة.

 

أضف إلى ذلك أن الاستفتاء الذي أجري في شهر أبريل من عام 2019 شهد تعبئة إدارية وأمنية غير مسبوقة لتأمين نتيجة إيجابية شكلية تمنح شرعية مزيفة لعملية اغتيال القواعد الديمقراطية الناشئة.

 

بناء على ذلك أصبحت المادة الانتقالية رقم 241 مكرر هي الباب الخلفي الذي منح الجالس على مقعد الحكم استثناء خاصا لتجاوز الحد الأقصى للبقاء في منصبه حتى عام 2030 متجاوزا القوانين.

 

فضلا عن ذلك تبخرت مقولة عدم البقاء ليوم واحد ضد رغبة الجماهير لتتحول إلى ترسانة من القوانين المقيدة للحريات والتي هندست خصيصا لمنع ظهور أي بديل سياسي طوال السنوات الماضية.

 

 

ترزية القوانين وصناعة الاستبداد الدستوري

 

وفي هذا السياق تعتبر التعديلات التي طالت بنية النظام الحاكم مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الإجراءات المصممة لترسيخ سلطة الفرد الواحد وإلغاء أي هامش لتبادل الأدوار داخل المنظومة الحاكمة.

 

على الصعيد نفسه يوضح أستاذ القانون الدستوري والبرلماني السابق الدكتور محمد فؤاد أن التلاعب المتكرر بالمواد الحاكمة لفترات الرئاسة يفقد الدستور قيمته كعقد اجتماعي ويحوله إلى مجرد لائحة تنظيمية تخدم السلطة.

 

وهكذا تحولت الوعود البراقة التي أطلقت في شهر يونيو من عام 2014 إلى أداة تخدير سياسي مؤقتة مهدت الطريق لاحقا لاحتكار المناصب وتقويض أي محاولة لبناء مؤسسات ديمقراطية تملك استقلالية حقيقية.

 

غير أن التبريرات الرسمية التي رافقت تمديد الفترات الرئاسية اعتمدت بشكل أساسي على فزاعة الاستقرار المزعوم متجاهلة أن الاستقرار الحقيقي يبنى عبر تداول السلطة وليس عبر حبس الأنفاس السياسية للمواطنين.

 

إلى جانب ذلك جرى هندسة البرلمان الحالي ليكون مجرد صدى لقرارات السلطة الحاكمة مما سهل تمرير التعديلات التي قننت البقاء الطويل ومحت أي أثر لمكتسبات شعبية سابقة في غفلة من الزمن.

 

نتيجة لذلك فقدت الانتخابات وظيفتها الأساسية كأداة للتغيير لتصبح مجرد استفتاءات إجرائية معلبة تصادق على قرارات استمرار الشخص ذاته في موقعه متحصنا بترسانة من التعديلات الدستورية التي فصلت على مقاسه تماما.

 

كما بات واضحا أن السلطة لا تعبأ بذاكرة الجمهور الذي استمع مرارا لعبارات الزهد في المناصب ليجد نفسه في النهاية أمام واقع دستوري محكم يغلق جميع نوافذ التغيير السلمي الممكنة للبلاد.

 

بيد أن المشهد الراهن لم يكتف بتعديل مدد الحكم بل امتد ليمنح القوات المسلحة صلاحيات سياسية دستورية غير مسبوقة تكرس هيمنتها على مقدرات الدولة المدنية وتضعف كافة مؤسساتها الرقابية بشكل مستمر.

 

 

مسار مغلق يهدد مستقبل الحياة السياسية

 

استكمالا لذلك فإن تصريحات الأمس تأتي وسط بيئة خالية تماما من أي حراك سياسي حقيقي بعدما تكفلت الإجراءات الأمنية الصارمة بتجريف المجال العام وإسكات أي أصوات تطالب بضرورة احترام المواعيد الدستورية.

 

وفي ضوء ذلك يقرر الباحث الأكاديمي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط الدكتور خليل العناني أن وعود عدم المساس بالنصوص المتبقية فقدت صلاحيتها تماما لأن شرعية السلطة الحالية تأسست على نقض عهودها.

 

تبعا لذلك يواجه المواطنون واقعا مفروضا بقوة الأمر الواقع حيث يتم تقديم التعديلات السابقة كأنها إنجازات ضرورية لإنقاذ الدولة بينما تمثل في حقيقتها مصادرة كاملة لحقوق الأجيال القادمة في اختيار حكامهم.

 

من جانب آخر تبدو مسرحية الالتزام الشفهي بالنصوص الحالية مثيرة للسخرية في ظل سوابق هندسة الاستفتاءات التي أقيمت في شهر أبريل من عام 2019 والتي برهنت على هشاشة أي تعهد غير موثق.

 

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إن عملية احتكار المشهد السياسي طالت كافة المؤسسات المدنية عبر تعيينات منهجية تضمن الولاء المطلق وتمنع ظهور أي معارضة دستورية قادرة على كبح جماح السلطة.

 

بالمقابل تسعى الدعاية الرسمية إلى الترويج لهذه الوعود الجديدة باعتبارها دليلا قاطعا على الزهد السياسي متعمدة طمس الحقائق الدامغة المتمثلة في بقاء الرجل الأول في السلطة حتى نهاية العقد الحالي بالقوة.

 

علاوة على ما سبق تقف الممارسات القمعية بالمرصاد لكل من يحاول تذكير السلطة بوعودها السابقة أو فتح ملفات التعديلات التي مررت وسط حالة طوارئ مستمرة شلت قدرة المجتمع على التعبير الحر.

 

خلاصة القول تعكس هذه التصريحات المتناقضة استراتيجية واضحة لشراء وقت إضافي عبر بيع الوهم السياسي للجماهير المنهكة اقتصاديا لضمان استمرار سيطرة النظام الحالي على مفاصل الدولة بحلول عام 2030 دون أي منغصات.