تتسارع خطى الحكومة لإنهاء مراجعات برنامج التمويل البالغ 8 مليارات دولار قبل انقضاء مهلة ديسمبر، ملقية بكامل ثقل الالتزامات المالية المجحفة على عاتق الفئات الشعبية المطالبة وحدها بتحمل أعباء تثبيت أركان الاقتصاد الكلي المتداعي.

 

وبالتوازي مع هذا الاندفاع، تخضع الموازنة العامة لاشتراطات قاسية تشمل 5 ملفات مصيرية تفرض التنازل الكامل عن شبكات الأمان الاجتماعي، مما يضع استقرار ملايين الأسر في مهب إجراءات جائرة تفتقر إلى أي بعد إنساني عادل.

 

 

مخاطر رفع الدعم ومصيدة التضخم

 

وفي ظل هذه المعطيات، تدفع آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية أسعار الوقود والخدمات الأساسية نحو مستويات قياسية لا تتوقف، وهو ما يشعل موجات غلاء عاتية تلتهم مداخيل الأسر محدودة الدخل وعمال المياومة بصورة قاسية ومباشرة.

 

وعلاوة على ذلك، يوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، الدكتور جودة عبد الخالق، أن التراجع القسري للدولة عن دعم الطاقة يغذي موجات التضخم التراكمية، مؤكداً أن تحميل المستهلك التكلفة الفعلية الكاملة يعطل النشاط الإنتاجي ويستنزف القدرة الشرائية الضعيفة.

 

ومن هذا المنطلق، يتجاهل هذا المسار الاقتصادي الصارم حقيقة وصول معدلات التضخم إلى 14.5% منذ مارس، الأمر الذي يضاعف تكاليف النقل وشحن السلع الغذائية الضرورية، ويدفع بشرائح واسعة من الطبقة الوسطى نحو حافة العوز والحرمان اليومي.

 

وبناءً على ما تقدم، تغيب الرؤية الحمائية الشاملة تماماً عن برامج التعويض، في وقت تتعمد فيه الجهات المعنية عدم تحديث المسوح الرسمية الخاصة بمعدلات الفقر منذ عام 2021، لإخفاء الاتساع المخيف في رقعة العوز والاحتياج المتفاقم.

 

وإلى جانب ذلك، تتراكم الضغوط المعيشية مع كل زيادة جديدة في أسعار المحروقات، حيث تتحول هذه القرارات الحتمية إلى أداة لامتصاص السيولة المتبقية لدى المواطنين بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية المتجذرة في مفاصل الاقتصاد القومي.

 

ومن جهة أخرى، يفرض مسؤولو المؤسسة الدولية استكمال التراجع الكامل عن دعم المحروقات، دون مراعاة لحجم الفجوة الهائلة بين الرواتب المتآكلة وتكاليف المعيشة الحقيقية، الأمر الذي يحكم على ملايين المواطنين بالتعايش الإجباري مع الحرمان الدائم والمستمر.

 

وفي هذا السياق، تؤدي قرارات رفع أسعار الوقود إلى شلل تدريجي في سلاسل الإمداد الداخلية، ما يرفع تكلفة السلع الزراعية والصناعية محلياً، ويدفع الأسواق نحو الركود التضخمي الخانق الذي يهدد استقرار المجتمع بأكمله.

 

 

أوهام التخارج وتمكين القطاع الخاص

 

واستناداً إلى تلك المؤشرات، تواصل المؤسسات الرسمية رهن الأصول الحيوية عبر خطط التخارج الميداني السريع، استجابة للمطالب الخارجية التي ترى في بيع ممتلكات الشعب الحل الوحيد لتوفير السيولة الدولارية المطلوبة لسداد أعباء القروض.

 

وعلى صعيد متصل، يؤكد أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، الدكتور مدحت نافع، أن تسريع وتيرة الخصخصة في بيئة تعاني تشوهات سعرية يفرغ الاقتصاد الوطني من قلاعه الإنتاجية، محذراً من أن بيع الشركات يهدد الأمن القومي الاقتصادي.

 

وفي غضون ذلك، أظهرت نتائج المراجعة 7 تعثر المساعي الرامية لبيع الحصص المؤسسية بالمعدلات المأمولة، ما يبرهن على عقم هذه السياسات التي تفرط في الأصول الرابحة، وتفشل في الوقت ذاته في جذب استثمارات نوعية حقيقية للبلاد.

 

ومع تفاقم تلك الضغوط، تصر تصريحات تالين كورنشيليان على تقليص النشاط الاقتصادي المباشر، متناسية أن الشركات الوطنية تمثل صمام أمان استراتيجي لتوفير السلع الأساسية بأسعار معقولة، وتمنع احتكار الرأسمالية المتوحشة للأسواق والقطاعات الحيوية في المجتمع.

 

وبالنظر إلى تداعيات المشهد، يفتح هذا التراجع غير المدروس الباب واسعاً أمام تقليص فرص العمل المستقرة للمواطنين، حيث يفضل المستثمرون الجدد خفض العمالة لتحقيق أرباح سريعة، مما يضاعف معدلات البطالة ويفاقم الأزمات الاجتماعية المزمنة في البلاد.

 

ومن زاوية موازية، تتحدث جولي كوزاك عن خلق بيئة تنافسية عادلة، بينما تشهد الأسواق على أرض الواقع تنامي الاحتكارات الخاصة التي تفرض أسعارها الجائرة على المستهلكين، في ظل غياب الرقابة التامة وعجز الأجهزة التنظيمية المختصة.

 

وبموازاة تلك الإجراءات، تسعى السياسات المتبعة إلى تجريد الهيئات البترولية الرسمية من مراكزها المالية المؤثرة، عبر تفكيك أصولها الإنتاجية لتقديمها للمستثمرين الأجانب بأسعار تفاوضية متدنية لا تعكس قيمتها الحقيقية ولا تخدم التنمية الشاملة بأي شكل.

 

وفي المقابل تماماً، يظل الرهان على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مجرد أمنيات معطلة، طالما استمرت التشوهات في منظومة الضرائب وغاب الاستقرار التشريعي، ما يجعل التخارج مجرد تصفية للمكتسبات الوطنية دون بديل اقتصادي حقيقي مستدام.

 

 

دوامة الديون وسراب الاعتماد الوطني

 

وتأسيساً على هذا الواقع، يرتبط صرف شريحة التمويل الأخيرة البالغة 2.3 مليار دولار برهن القرار الاقتصادي الوطني لإملاءات الخارج، وتكريس سياسة الاقتراض لسداد فوائد القروض القديمة دون بناء قاعدة إنتاجية تصديرية حقيقية تقي البلاد المخاطر.

 

ومن جراء هذه الالتزامات، تؤدي التوجيهات المفروضة منذ يوليو الماضي إلى استنزاف الإيرادات العامة في خدمة أعباء الدين المتراكمة، بدلاً من تخصيص الفوائض الأولية المزعومة للإنفاق الدستوري الإلزامي على التعليم والصحة وتحسين جودة حياة المواطنين المطحونين.

 

وفي سياق ذي صلة، يشير باحث الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية، الدكتور وائل جمال، إلى أن برامج التقشف المالي المتتالية تغرق الموازنة في فخ إعادة التدوير للديون، مشدداً على أن زيادة الضرائب وتوسيع أوعيتها يسحقان الطبقات الشعبية المنهكة.

 

وعقب استنفاد تلك الخيارات، تتجه الدوائر المالية لتوسيع الشرائح الضريبية بصورة غير مسبوقة، لملاحقة دخول صغار الكسبين والمهنيين، بدلاً من فرض ضرائب تصاعدية عادلة على الأرباح الرأسمالية والشركات الكبرى التي تحقق مكاسب فلكية طائلة وغير مبررة.

 

وبالاتساق مع هذه التطورات، تبدو الوعود الرسمية بعدم طلب حزم تمويلية جديدة مجرد استهلاك محلي مضلل، في ظل استمرار العجز الهيكلي للموازنة وتراكم الالتزامات الخارجية التي تفرض استجداء التدفقات التمويلية لسداد الديون المستحقة تباعاً.

 

ومن تداعيات تلك السياسات، يظل الترويج للتحول الوطني المزعوم نحو التصدير والانتقال الجذري من النمط الاستهلاكي مجرد شعارات رنانة، تصطدم بواقع تدمير القدرات التصنيعية المحلية تحت وطأة ارتفاع تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج المستوردة باهظة التكلفة.

 

وبحكم الأمر الواقع، تصبح الإدارة المالية حبيسة تدوير التزاماتها الدولية، حيث تلتهم أقساط الديون الخارجية أي عائدات محققة من بيع الأصول الوطنية، مما يعطل مسار التنمية الحقيقي ويجعل الحديث عن الاستقلال المالي ضرباً من الخيال التام.

 

ونتيجة لهذا التوجه، تدفع الدولة أثماناً باهظة نتيجة الامتثال الأعمى لروشتة المؤسسات الدولية، التي تفكك السيادة الاقتصادية وتفرض تعويماً مستمراً لسعر الصرف، مما يفقد العملة المحلية قيمتها ويدفع بالاقتصاد بأكمله نحو مصير غامض ومجهول.

 

وفي ختام هذه المرحلة، تتبدد أوهام الاستقرار المالي أمام المعاناة المتفاقمة للشعب، حيث لا يترك البرنامج الاقتصادي المنتهي في ديسمبر سوى تركة مثقلة بالديون وغلاء فاحش يطحن الملايين تحت مظلة العجز الرسمي المتكرر عن ابتكار حلول تنموية عادلة.