أعلنت شبكة أطباء السودان وفاة أكثر من 215 مدنياً داخل سجن دقريس بمدينة نيالا خلال مايو ويونيو 2026، بسبب الأمراض والتعذيب وسوء المعاملة وغياب الرعاية الصحية، وفق بيانها، وسط تساؤلات بشأن مصير محتجزين نُقلوا إلى المستشفى.
وأثارت هذه الوقائع مخاوف بشأن حماية المدنيين في دارفور، حيث تتقاطع شهادات عن الاختفاء وسوء الاحتجاز مع مزاعم الاتجار بالأعضاء، بينما تظل الحاجة قائمة إلى تحقيق مستقل يميز الوقائع المثبتة عن الاتهامات الخطيرة.
وفيات واختفاءات تثير أسئلة المصير
فمع اندلاع الحرب في السودان خلال أبريل 2023، دفعت المعارك آلاف العائلات إلى الفرار، بعدما انهارت شبكات الأمان وتراجعت الحماية، لتتحول مسارات النزوح واللجوء إلى بيئة محفوفة بالاستغلال والابتزاز ومخاطر الاتجار بالبشر.
وفي هذا السياق، برز سجن دقريس بوصفه محوراً لتقارير عن انتهاكات بحق المحتجزين، بعدما أعلنت شبكة أطباء السودان، في 24 يونيو 2026، حصيلة الوفيات الكبيرة خلال شهرين داخل مكان الاحتجاز.
كما تحدثت الشبكة عن نقل 31 محتجزاً، بينهم أطفال، إلى مستشفى نيالا، قبل انقطاع المعلومات عن مصيرهم، وهي واقعة تضاعف مسؤولية الجهات المسيطرة عن توضيح أسباب النقل والكشف عن أماكن وجودهم وأوضاعهم الصحية.
وبعد أسابيع، أعلنت منظمة لجنة العدالة الحقوقية توثيقها وفاة أكثر من 215 معتقلاً خلال الفترة نفسها، مؤكدة واقعة نقل المحتجزين، ولذلك لا تمثل الحصيلتان رقماً تراكمياً جديداً، بل تتناولان الفترة والوقائع ذاتها.
وبحسب اللجنة، استمر احتجاز أشخاص في ظروف لا تلبي الحد الأدنى من المتطلبات الصحية والإنسانية، مع تقارير متكررة عن سوء المعاملة والحرمان من العلاج، بما يضع ظروف السجن تحت مساءلة مباشرة.
وبالتوازي، وثقت الأمم المتحدة أنماطاً من الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة والاختفاء القسري في السودان، وحذرت من تدهور أوضاع المدنيين، وهي انتهاكات تستوجب التحقيق بذاتها، بصرف النظر عن مصير الاتهامات الأخرى.
ومن هنا، ساهم تزامن الوفيات مع اختفاء محتجزين في اتساع الشكوك حول ما يجري خلف أسوار السجون، لكن هذه الوقائع لا تثبت بمفردها إجراء عمليات استئصال أعضاء أو وجود تجارة منظمة.
شهادات تربط السجون بالمرافق الصحية
وفي مسار مواز، قال الدكتور أحمد عبد الله إسماعيل، المسؤول بمنظمة مشاد، إن المنظمة رصدت نحو 1700 حالة تحمل، وفق وصفه، مؤشرات متشابهة على استئصال أعضاء، استناداً إلى شهادات ومعلومات ميدانية وطبية.
وأضاف أن تلك المؤشرات تشمل مزاعم استئصال الكلى دون موافقة أصحابها أو ذويهم، رابطاً المعلومات بسجن دقريس ومرافق صحية في نيالا، من بينها المستشفى التركي الذي قال إنه يخضع لجهات مرتبطة بالدعم السريع.
كذلك تضمنت الإفادات الواردة مزاعم إخضاع محتجزين لعمليات جراحية مشتبه بها، وارتبطت معلوماتهم بسجني شالا في الفاشر ودقريس في نيالا، غير أن المادة المعروضة لا تتضمن نتائج مراجعة طبية مستقلة تؤكد وقوعها.
وبحسب إسماعيل، ساعدت المنظمة في إخراج أكثر من 110 أشخاص إلى جنوب السودان وتشاد، وأجرت مقابلات مع ناجين وناجيات، بينهم فتاة عمرها 16 عاماً، في محاولة لجمع معلومات عن الانتهاكات.
ومن بين الروايات، نقل إسماعيل شهادة مريضة قالت إنها خضعت لجراحة بعد أخذ عينة منها، ثم قرأت في أوراقها الطبية ما يشير إلى إزالة الرحم، وأبدت شكوكاً بشأن حقيقة ما تعرضت له.
غير أن هذه الشهادة، إذا ثبت مضمونها، تثير أسئلة عن ضرورة الجراحة وموافقة المريضة وإبلاغها بطبيعتها، ولا تثبت وحدها أن العضو المستأصل جرى الاتجار به، وهو فارق أساسي عند تقييم هذه الرواية.
كما تحدث إسماعيل عن وجود أطباء أجانب من جنسيات مختلفة، واطلاع فرق الرصد على صور جوازات سفر بعض الأشخاص، إلا أن تحديد الهوية أو إثبات الوجود لا يثبت المشاركة في جريمة.
وفي المقابل، وردت معلومات عن خطط لتأهيل مستشفيات والاستعانة بخبراء أجانب، أكدها علاء نقود، المسؤول الصحي بالحكومة التابعة للدعم السريع، لكن إنشاء المرافق أو تجديدها لا يشكل دليلاً على استغلالها للاتجار بالأعضاء.
أدلة غير مكتملة وتحقيق ضروري
وعلى المستوى الرسمي، وجهت الحكومة السودانية خلال يونيو 2026 اتهامات للدعم السريع بإدارة شبكة للاتجار بالأعضاء داخل مراكز احتجاز بدارفور، مستندة إلى تقارير قالت إنها بحوزتها، دون أن يغني ذلك عن التحقق المستقل.
وفي سياق آخر، رصد تحليل لصور أقمار صناعية أجراه مختبر الشؤون الإنسانية بجامعة ييل أجساماً بيضاء داخل حرم المستشفى السعودي وبالقرب من مستشفى الأطفال في الفاشر، ورجح أنها قد تكون جثثاً.
ومع ذلك، لا تحدد الصور وحدها أسباب الوفاة أو المسؤولين عنها، ولا تثبت استئصال أعضاء، ولذلك فإن ربطها مباشرة بمزاعم التجارة يتجاوز الدلالة المحدودة للمادة المصورة والمعلومات المتاحة بشأنها حتى الآن.
أما إثبات عمليات استئصال غير رضائية، فيحتاج إلى فحص السجلات الطبية والتقارير الجراحية وشهادات أصحابها، مع مراجعة مستقلة تميز بين الإجراءات العلاجية الضرورية والتدخلات المفروضة، وتحدد ظروف الموافقة وما إذا كانت حرة.
وبالمثل، فإن رقم 1700 حالة يظل منسوباً إلى رصد منظمة مشاد لمؤشرات تقول إنها متشابهة، ولا يجوز تقديمه باعتباره حصيلة مؤكدة لضحايا الاتجار بالأعضاء قبل فحص الحالات وتحديد طبيعة الأدلة الخاصة بكل منها.
فضلاً عن ذلك، فإن إثبات وجود شبكة اتجار منظمة يستلزم تتبع الصلات بين العمليات المزعومة والجهات المتورطة والمستفيدين، إذ لا تكفي الشكوك أو تشابه الشهادات وحدهما لحسم اتهام بهذه الخطورة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول فجوة الأدلة إلى مبرر لتجاهل الوفيات والاختفاءات، فالمطلوب إتاحة الوصول إلى المحتجزين وحماية الشهود وحفظ الوثائق، بما يمنع ضياع الأدلة أو تعريض الناجين لضغوط إضافية.
وعليه، يبقى واجب المساءلة قائماً بشأن ظروف الاحتجاز ومصير المفقودين، بينما تظل مزاعم الاتجار بالأعضاء بحاجة إلى تحقيق مستقل قابل للتحقق، يحمي الضحايا ويحدد المسؤوليات دون تحويل الاتهامات إلى أحكام مسبقة، ودون حرمان الأسر من الحقيقة.

