واصلت أزمة سيستم هيئة التأمينات محاصرة آلاف المستحقين في مصر خلال أكتوبر 2026، مع شكاوى من تعطل تسوية الملفات وتعديل البيانات، بينما تترك الحكومة أصحاب الحقوق أمام مكاتب عاجزة عن إنهاء معاملاتهم وصرف مستحقاتهم.
وطالب النائب محمد فؤاد الحكومة بتقديم أرقام موثقة عن الإصلاح والتعويضات، بعد انقضاء مهلتين معلنتين، في أزمة تحمل الأسر تكلفة خلل إداري لا تتحمل مسؤوليته، وتحول الاشتراكات المدفوعة طوال سنوات العمل إلى حقوق مؤجلة.
مركزية القرار تشل مكاتب التأمينات
فبحسب الشكاوى المتداولة بشأن المنظومة الجديدة، يؤدي تركيز صلاحيات التسوية والتعديل خارج المكاتب الفرعية إلى تعطيل التعامل مع أخطاء البيانات، لتتحول الفروع من جهات تقدم الخدمة إلى نقاط استقبال لطلبات لا تستطيع حسمها.
وعندما يتوقف تعديل اسم أو تحديث بيانات صرف على موافقة مركزية، تتضاعف رحلة المستحق بين المكتب ومقر الهيئة بالعاصمة الإدارية، وتصبح تكلفة الانتقال والانتظار عبئًا إضافيًا تفرضه الإدارة على صاحب المال المحتجز.
وفي هذا السياق، قال كامل السيد، خبير التأمينات والمعاشات ووكيل الهيئة سابقًا، في تصريحات منشورة يوم 23 سبتمبر، إن معالجة الأزمة تستلزم إعادة النظر في طريقة تقديم الخدمات، بما يضمن استمرارها وسرعة إنجازها.
كما شدد السيد على ضرورة توفير نظام احتياطي يحافظ على الخدمات الأساسية عند التعطل، وإجراء اختبارات متوازية واختبارات ضغط قبل الانتقال، مع متابعة الطلبات المتأخرة وأسباب تأخرها وزمن الاستجابة بصورة مستمرة.
وأضاف أن الحالات المعقدة، ومنها اختلاف مدد الاشتراك والعجز والوفاة وتحديد المستحقين، تحتاج موظفين وخبراء يفهمون القواعد التأمينية، بما يضع الكفاءة البشرية داخل عملية التسوية، ويمنع اختزال التعامل مع الملفات في استجابة برنامج.
وبناءً على ذلك، تصبح استعادة قدرة الفروع على معالجة الحالات ضرورة لإخراج المواطنين من دائرة الانتظار، مع صلاحيات محددة ورقابة على القرارات، بدل إبقاء الموظف واجهة لغضب جمهور لا يملك مساعدته.
وفي المقابل، تبرر الهيئة التحول بتقادم الأنظمة القديمة والحاجة إلى دمج البيانات ومراجعة مدد اشتراك طويلة، وهي متطلبات إدارية مفهومة، لكنها لا تمنح الحكومة حق تحميل أصحاب المعاشات وحدهم كلفة الانتقال وأخطائه.
لذلك، يتطلب إصلاح سيستم التأمينات مسارًا واضحًا لاستمرار الخدمة وقت الأعطال، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل ملف، وموعدًا لإنجازه، لأن الرقابة التي تشل التسوية تفرغ حماية الحقوق من مضمونها العملي تمامًا.
حقوق الأسر معلقة خلف الشاشات
أما إنسانيًا، فإن تأخير مستحقات تعتمد عليها الأسرة يحاصر قدرتها على شراء الدواء والغذاء وسداد الالتزامات، ويحول الخلل الإداري إلى ضغط يومي، خصوصًا لدى كبار السن وورثة المتوفين والحالات التي تحتاج تسوية عاجلة.
وفي دراسة أصدرها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال سبتمبر، تناول الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني الفجوة بين الأجور والمعاشات، معتبرًا أن المتقاعدين يواجهون أعباء معيشية مماثلة للعاملين بدخول أقل وقدرة أضعف على تحملها.
كذلك، طالب الميرغني، في تصريحات منشورة يوم 23 سبتمبر، بحد أدنى اجتماعي للمعاش يضمن الحياة الكريمة، وتحمل الخزانة العامة الزيادات الاجتماعية غير المغطاة بالاشتراكات، لحماية المتقاعدين من الفقر وتآكل قدرتهم الشرائية.
وبحسب الدراسة، بلغ الحد الأدنى للمعاش 1755 جنيهًا مقابل 8000 جنيه للعاملين بالدولة، بما يقارب 22%، وهي مقارنة توضح هشاشة الدخل قبل تعطيله، وتبرز حجم الضغط حين تتأخر مستحقات يحتاجها أصحابها للإنفاق الأساسي.
ومن ثم، فإن تعطل التسوية يضيف إلى مشكلة كفاية المعاش مشكلة الوصول إليه أصلًا، فلا يستفيد المتضرر من وعود تطوير الخدمة ما دام عاجزًا عن معرفة موعد حصوله على الأموال التي ينتظرها.
وفوق ذلك، ترفع إعادة طلب مستندات سبق تقديمها وتفاوت الإجراءات بين المكاتب كلفة استرداد الحق، إذ تستنزف وقت المستحق وجهده، وتلزمه بتكرار إجراءات كان يفترض أن تمنعها قاعدة البيانات الموحدة التي وعدت بها الحكومة.
لهذا، تكتسب مطالب صرف دفعات مؤقتة تحت حساب التسوية أهمية مباشرة، شريطة توجيهها للحالات المستحقة وفق ضوابط معلنة، وتسوية الفروق لاحقًا، حتى لا تبقى نفقات المعيشة معلقة حتى انتهاء معالجة الملف.
وبالتوازي، ينبغي أن تحمل الهيئة عبء استكمال المراجعات بين إداراتها، وتبلغ صاحب الشأن بما ينقص ملفه بوضوح، لأن تحويل المتضرر إلى رسول بين المكاتب يضاعف خسارته ويعفي الإدارة عمليًا من تحمل مسؤولياتها.
مواعيد حكومية تنقضي وتعويضات تتعطل
وعلى مستوى المساءلة، قال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، في طلب إحاطة أعلنه يوم 3 أكتوبر، إن انتهاء المواعيد المحددة مع استمرار الشكاوى يستدعي بيانًا موثقًا بالنتائج وموقف التعويضات.
وأوضح فؤاد أن توصيات لجنة القوى العاملة تضمنت إنهاء المشكلات الفنية بحلول الأول من أغسطس 2026، وفق تعهد الهيئة، لكن الشكاوى اللاحقة تتعلق بتسجيل الاستمارات وتحديث البيانات واستخراج الشهادات وإعادة طلب المستندات.
كما أشار إلى انقضاء موعد الأول من سبتمبر لتنفيذ مسار التعويض التلقائي وفق المادة 130 من قانون التأمينات، مطالبًا بألا يتحمل المستحق رحلة إدارية جديدة للحصول على التعويض متى توافرت شروطه.
وطالب فؤاد بإعلان أعداد أصحاب الحقوق الذين حصلوا على تعويضات، وإجمالي الأموال المصروفة وأسباب بقاء الحالات الأخرى معلقة، وهو مطلب يضع الحكومة أمام نتائج قابلة للقياس بدل الاكتفاء بإعلان إصلاح المنظومة.
وفي المقابل، تشير الهيئة إلى حصر نحو 18 ألف حالة مستوفاة للمستندات لتعويضها عن التأخير، بإضافة مستحقات محسوبة وفق متوسط عائد سندات وأذون الخزانة، لكن إعلان الحصر لا يوضح وحده عدد من تسلموا أموالهم.
ومع ذلك، يظل الفارق بين تسجيل الاستحقاق وصرفه جوهر الأزمة، فلا يكفي إدراج اسم المتضرر ضمن قائمة التعويضات، بينما يبقى دون موعد محدد للتسوية أو وسيلة واضحة لمتابعة تنفيذ ما أعلنته الهيئة.
ثم إن التعويض المستحق يعالج جانبًا ماليًا من التأخير، لكنه لا يمحو أعباء الانتقال المتكرر وضياع الوقت والاضطراب المعيشي، ما يجعل منع تكرار التعطل ومحاسبة المسؤول عنه جزءًا لازمًا من معالجة الضرر.
وعليه، تصبح المتابعة البرلمانية مطالبة بإلزام الحكومة بجدول معلن لتصفية المتأخرات، وبيانات دورية عن الصرف الفعلي، وتحديد المسؤوليات الإدارية، حتى لا تتحول المهل الجديدة إلى تمديد مفتوح للأزمة على حساب أصحاب الحقوق.
ويبقى امتحان الحكومة في وصول المستحقات والتعويضات إلى أصحابها، واستعادة الفروع قدرتها على إنجاز المعاملات، فكل يوم إضافي من التعطيل ينقل ثمن الإخفاق الإداري إلى أسر دفعت اشتراكاتها وتنتظر الآن تنفيذ التزامات الهيئة تجاهها.

