أثار وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، الدكتور محمود عصمت، تساؤلات واسعة بشأن مستقبل أسعار الكهرباء في مصر، بعدما أعلن دراسة تعديل شرائح الاستهلاك وإعادة توزيع الدعم البالغ نحو 17 مليار جنيه، دون تقديم ضمان واضح بعدم زيادة الفواتير مجددًا.
وجاءت تصريحات الوزير وسط ضغوط معيشية متصاعدة تواجهها الأسر المصرية، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل، بعدما تحولت فواتير الكهرباء إلى عبء شهري متزايد، بينما تواصل الحكومة الحديث عن تطوير القطاع وخفض تكاليف الإنتاج وتحسين كفاءة التشغيل.
تعديل الشرائح يثير مخاوف المواطنين
وأوضح وزير الكهرباء أن الوزارة تراجع نظام شرائح الاستهلاك الحالي بصورة مستمرة، بهدف تحقيق توزيع أكثر عدالة للدعم بين المشتركين، مع دراسة رفع حدود بعض الشرائح بما يتناسب مع احتياجات المواطنين الفعلية.
وأشار عصمت إلى أن المشتركين الأقل استهلاكًا يحصلون على النسبة الأكبر من الدعم، بينما تتراجع المزايا تدريجيًا مع زيادة الاستهلاك، مؤكدًا أن الوزارة تبحث كيفية معالجة الاختلالات المحتملة في النظام الحالي.
لكن الحديث عن إعادة توزيع الدعم يفتح تساؤلات بشأن الفئات التي قد تتحمل أعباء إضافية، خاصة الأسر متوسطة الدخل التي تواجه بالفعل ارتفاعًا متواصلًا في تكاليف الغذاء والمواصلات والخدمات الأساسية.
وفي المقابل، لم تتضمن التصريحات تفاصيل محددة بشأن الشرائح المستهدفة بالتعديل، أو الحدود الجديدة للاستهلاك، أو التأثير المتوقع على قيمة الفواتير، ما يترك المواطنين أمام احتمالات مفتوحة يصعب تقدير نتائجها المالية.
كذلك، أشار الوزير إلى أن منظومة الشرائح الحالية تحقق دعمًا داخليًا يقدر بنحو 17 مليار جنيه، وهو رقم يعكس أهمية آلية توزيع التكلفة بين المستهلكين عند مناقشة أي تعديل جديد.
غير أن إعادة توزيع هذا الدعم دون إعلان معايير واضحة قد تثير مخاوف الطبقة المتوسطة، خصوصًا إذا ترتب عليها انتقال بعض المشتركين إلى شرائح أعلى أو تغير قيمة المبالغ المستحقة عليهم.
ومن ناحية أخرى، ترتبط هذه المخاوف بارتفاع احتياجات الاستهلاك المنزلي خلال الصيف، عندما تضطر الأسر إلى تشغيل المراوح وأجهزة التبريد لساعات أطول، الأمر الذي يزيد احتمالات تجاوز الحدود المحددة للشرائح.
وبالتالي، فإن تحقيق العدالة في توزيع الدعم لا يتوقف على تعديل الأرقام وحدها، بل يتطلب مراعاة عدد أفراد الأسرة ومستويات الدخل والظروف المعيشية، حتى لا تتحول المراجعة إلى عبء جديد.
وعود عدم الزيادة بلا ضمانات
وفي محاولة لطمأنة المواطنين، تحدث وزير الكهرباء عن جهود حكومية تستهدف خفض تكلفة الإنتاج وتحسين كفاءة شركات القطاع، مؤكدًا إدراكه لحجم الضغوط التي تتحملها الأسر نتيجة ارتفاع فواتير الاستهلاك.
لكن إجابة عصمت عن سؤال مباشر بشأن احتمالات زيادة الأسعار مستقبلًا جاءت بصيغة غير حاسمة، عندما قال «إن شاء الله ما نرفعش أبدًا»، دون إعلان قرار رسمي يضمن تثبيت التعريفة.
وهنا تبرز الفجوة بين التصريحات المطمئنة والالتزامات الحكومية الملزمة، فالمواطن الذي يواجه فاتورة شهرية متزايدة يحتاج إلى معرفة واضحة بشأن الأسعار المقبلة، وليس مجرد توقعات تتغير بتغير الظروف الاقتصادية.
كما أن الزيادات السابقة في أسعار الكهرباء خلال عامي 2024 و2026 جعلت الحديث عن عدم رفع الأسعار محل تساؤل، خاصة بعدما انعكست القرارات السابقة بصورة مباشرة على ميزانيات الأسر المصرية.
وفي السياق نفسه، لم يحدد الوزير مدة زمنية يمكن خلالها استبعاد الزيادات، كما لم يعلن تجميد الأسعار لفترة محددة، وهو ما يجعل احتمالات تعديل التعريفة مستقبلًا قائمة دون حسم.
فضلًا عن ذلك، يرتبط تسعير الكهرباء بعوامل متعددة، تشمل تكلفة الوقود وأسعار الصرف وأعباء التشغيل والصيانة، وهي متغيرات يمكن أن تستخدمها الحكومة لتبرير أي مراجعة جديدة للأسعار خلال الفترة المقبلة.
ومن ثم، فإن غياب جدول معلن لمستقبل التعريفة يزيد حالة عدم اليقين لدى المواطنين، خصوصًا مع صعوبة التخطيط للنفقات الشهرية في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وفي الوقت ذاته، تطرح تصريحات الوزير سؤالًا بشأن المسؤولية الحكومية عن حماية القدرة الشرائية للمواطنين، ومدى استعداد وزارة الكهرباء لتحمل جزء من الضغوط المالية بدلًا من نقلها إلى المستهلك النهائي.
وعلى هذا الأساس، يصبح إعلان ضمانات واضحة بشأن أي تعديل مرتقب ضرورة لحماية المواطنين، مع توضيح الفئات المستفيدة والمتضررة، وإتاحة معلومات دقيقة تسمح بتقييم النتائج قبل اتخاذ القرارات النهائية.
خفض تكاليف الإنتاج أمام الغلاء
وأكد وزير الكهرباء أن الوزارة تعمل على إعادة هيكلة الشركات التابعة للقطاع، وخفض المصروفات التشغيلية، وتحسين كفاءة الإنتاج، باعتبارها أدوات أساسية لتقليل تكلفة الخدمة والحد من الضغوط المالية.
وفي المقابل، يظل السؤال الأهم متعلقًا بمدى انعكاس هذه الإجراءات على الفواتير، لأن نجاح خطط التطوير لا ينبغي قياسه بالمؤشرات الفنية وحدها، وإنما بقدرتها على تخفيف الأعباء عن المستهلكين.
كذلك، فإن تحسين كفاءة التشغيل يتطلب معالجة مصادر الهدر ورفع كفاءة شبكات النقل والتوزيع وتعزيز الرقابة على المصروفات، بدلًا من الاعتماد المتكرر على تعديل أسعار الاستهلاك لتحقيق التوازن المالي.
وبالإضافة إلى ذلك، تتصاعد شكاوى بعض مستخدمي العدادات مسبقة الدفع من الخصومات والرسوم الدورية، فضلًا عن الانتقال بين الشرائح عند تجاوز حدود الاستهلاك، ما يؤدي أحيانًا إلى تآكل الرصيد بصورة أسرع.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى تبسيط نظام المحاسبة وإعلان تفاصيل الخصومات بصورة مفهومة، حتى يتمكن المواطن من معرفة قيمة استهلاكه الفعلي والرسوم المضافة إلى فاتورته الشهرية.
وعلاوة على ذلك، لا يمكن فصل أزمة فواتير الكهرباء عن التراجع الذي تعرضت له القوة الشرائية للأجور، إذ باتت الزيادة في تكلفة الخدمات الأساسية تستهلك جانبًا متناميًا من دخول الأسر.
وفي ضوء هذه الأوضاع، تتحمل الحكومة مسؤولية تقديم تصور متكامل يوازن بين استدامة قطاع الكهرباء وحماية الفئات الأكثر تضررًا، بعيدًا عن القرارات المفاجئة التي تزيد الضغوط على ميزانيات المواطنين.
ومن جانب آخر، فإن إعادة توزيع الدعم يجب أن تستند إلى دراسات اجتماعية واقتصادية واضحة، تراعي تفاوت الدخول وحجم الأسر، وتضمن عدم تحميل محدودي ومتوسطي الدخل تكلفة إضافية تحت شعار الإصلاح.
وبينما تتحدث وزارة الكهرباء عن تطوير الشركات وخفض التكاليف، ينتظر المواطنون نتائج ملموسة تتمثل في استقرار الأسعار ووضوح الفواتير وتحسين الخدمات، بدلًا من استمرار المخاوف بشأن قرارات جديدة قد تضاعف الأعباء.
وفي النهاية، تبقى عبارة «إن شاء الله ما نرفعش أبدًا» غير كافية لحسم مستقبل أسعار الكهرباء، ما لم تتحول إلى سياسات معلنة وضمانات واضحة تحمي المصريين من زيادات جديدة في فواتيرهم.

